هذه الحقيقة المحزنة: أن الدولة العثمانية في خطر، وللتخلص من هذه الشدائد يجب على جلالتكم أن تتناسوا العالم الماضي وتقتادوا الأمة إلى مقاصد جليلة جديدة. (من رسالة فؤاد باشا عند موته إلى السلطان العثماني)
رجع الصدى
طالما ارتفع من أنحاء الشرق صراخ طبق جوانب الأرض صداه، فلا غرو أن يردد رجع الصدى، صراخ الأمة في أطراف المعمور، نداء الشعب يكتب بحروف من نار على جبين الدهور، أصوات منقطعة، أفئدة منفطرة، تعرب عن قلوب منتظرة، فإلى متى تصم الآذان، وقد ثبت من الصوت وجود اللسان، ومن حرقة البيان وجود الجنان، ومن حركة الخواطر أن في السويداء رجالا، لكن حبست الألسن الشرقية عن النطق بمحاسن الحرية. أستغفر الله من زلة القلم فلم يحبس لسان الشرق عن الكلام، وإن حبس القلم عن تصويب السهام. إن لسان الشرقي يلهج أبد الحياة ومنذ نشأ متحركا بعاطفة لم يجرؤ القلم في الشرق أن يرقمها على القرطاس. وإنما كلمات اللسان تدرك دائرة واسعة يضيع الصوت في مداها، فالجرائد إذن أحسن ترجمان يأتي بالمراد من الكلام سحرا حلالا. أجل، حبست الأقلام فاستوثقت في درع النكد، الطالع قد جمد، واقتصر الكلام على أحب وهام، أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، وقضي على الرأي العام فصار حيا في جسد ميت، وماتت الصحف في الشرق قبل أن تحيا، ولعلها ماتت لتحيا كما نحيا لنموت، لكن سبب هذه الميتة خوف في قلوب «الهيئة المحكومة» ألقته مخاوف «الهيئة الحاكمة»، فخائف من خائف، ويالله من هذا المصير. من ثم كان لصراخ الشرق - وإن همسا - صدى رددته جوانب الأرض، وهذا رجع صداه، خدمة للأمة بعثناه، وترجمان أفكار أقمناه، فإن لم يفعل الخير عاجلا بقيت آثاره حتى إذا جاء عهد الشرق في تقدم ونجاح قلنا يا قومنا اقطفوا من سعي إخوانكم ثمرا جنيا، واعتبروه على الإخلاص برهانا سنيا، فالغاية أن يقضي فرضا مأتيا. وحتى لا يقال إن هذا رجع صدى صوت شرقي فرد، وحتى يزول الخوف الذي ألقته الهيئة الحاكمة في قلوب الهيئة المحكومة، وحتى يصح أن هذا هو الرأي العام، وحتى لا يعذر المتقاعد عن خدمة وطنه، وحتى لا تقف الأغراض الذاتية في سبيل المنفعة العمومية ؛ يقبل «رجع الصدى» كل رسالة في موضوع الجريدة بقطع النظر عن اسم مرسلها، أي بدون التواقيع، بل نتحمل كل مسئولية، ويكون «رجع الصدى» صلة بين الأمم الشرقية والحكام. فليكتب الكتبة أفكارهم من وراء الحجاب إلى أن نمزق حواشيه أو نلاشيه إن شاء الله، وننشر ونقبل كل إفادة صريحة عن تقدم الغرب ونسبة الشرق إليه، وأفكار الشرقي في شرقه وبيان علة التأخر وعلاجها، وتحريض الأمم على الاتحاد.
إننا لا نقصد تخصيص الجريدة لمملكة شرقية دون الأخرى؛ فالعثمانية والفارسية والدولة العربية جميعها تجد في «رجع الصدى» ما يهم. وهذه الجريدة لا تريد الطعن ولا تقصد المضرة ولا تبدأ بالعداء، فتصل إلى المشتركين في البريد عادة الجرائد، فإذا أوقفها الخوف وحال دون وصولها الظن، استنجدت بمعدات نشأتها واستعانت بما هو مخزون في رأسمالها ووضعت في مقدمتها مجموع قوتها، فلا تقف الموانع في طريقها. انتهى.
وفي الوقت المعين أصدرت العدد الأول من الجريدة، وما كدت أنتهي من كتابة عنوانات أعدادها حتى حضر إلى لندن عمي صاحب «لسان الحال» عائدا من أميركا، فعدت وإياه إلي بيروت حيث أصدر جريدته يوميا، فحررتها مدة نصف سنة، إلى أن ظهرت حادثة الأميرة نجلا، ولاح لي من دناءة حكام بلادي وجورهم ما ضاق معه صدري مما سأذكره عند تعريب رواية الأميرة التي أجاز لي تعريبها عن الإنكليزية مؤلفها المستر فليرتون معاون المستر بلويثز مكاتب التيمس الباريزي، فرحلت مع صديقي الكريم الأمير أمين أرسلان إلى باريز، حيث أصدرنا جريدة «كشف النقاب»، وبعد مدة رأيت أن للصديق المشار إليه مقدرة كافية وحده على إصدار الجريدة، وأن من الصواب نشر مبادئ الحرية في جهتين، فأتيت الإسكندرية وأصدرت جريدة «المشير» التي فازت بالنجاح العظيم بعناية حضرات الأفاضل، وقد طرأ علي من الحوادث العظيمة والأحكام الجائرة والتهديد بالقتل ما سأعود إلى ذكره عند الكلام عن «المشير». (4) كيف تراقب الجرائد
بعد أن يكتب محرر الجريدة العثمانية مقالات جريدته وترتب حروفها وتصلح أغلاطها حتى تصير جاهزة للطبع والتوزيع، تبعث الإدارة بنسختين منها إلى المكتوبجي، وعلى المطبعة والمحرر والعملة أن ينتظروا رجوع المسودة المذكورة قبل أن يبدءوا بالطبع. وترسل المسودة عادة الساعة العاشرة إفرنجية صباحا، وقد تبقى عند المكتوبجي إلى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد الظهر، والتعطيل شامل الإدارة والمطبعة والعملة والمحرر.
فعندما تصل المسودة إلى سراي الحكومة يأخذها العسكري الملازم في خدمة سعادته من صبي الإدارة ويضعها على طاولة مولاه، ويبقى الغلام في انتظاره إلى أن يرحم ويشفق، وعند ذلك يتنازل فيرسل المسودة المذكورة إلى أحد خلفاء قلم المكتوبجي المسمى عبد الرحمن أفندي الحوت ليطالعها قبله؛ وذلك لأن المكتوبجي الحالي عبد الله نجيب يعرف من اللغة العربية قدر ما أعرف أنا من لغة آدم. (5) عبد الرحمن الحوت
أما عبد الرحمن أفندي الحوت هذا فهو حوت في الحقيقة، تصل إليه المسودة فيقرؤها، ولما كان يعلم حق العلم أن مراقبة الجرائد لا يقصد منها إلا الاستبداد وأن لا قانون لها يجري بموجبه، أصبح المسكين يخاف من المسئولية؛ فهو إذا رأى غير شيء ظنه رجلا. وهكذا يبدأ بقراءة المسودة؛ فإذا رأى عبارة يعرف أنها لا ترضي المكتوبجي حذفها بحبر أسود، ثم تعرض له أحيانا بعض عبارات لا يدري إذا كان يجب عليه حذفها أم لا، فيقع في حيص بيص، أخيرا يضع علامة مستطيلة بحبر أحمر على جانب السطور التي تتضمن تلك العبارة التي أشكل عليه أمرها. وهكذا، فمتى انتهى من مطالعة مسودة الجريدة تكون قد صارت ذات خطوط سوداء وعلامات حمراء لا تحصى، فيكتب في ذيلها:
تقدم
عبد الرحمن
نامعلوم صفحہ