فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
غيرة أن يشاب رائقها . . . بالذي في الحياض من كدر أريد أن المحب إذا تعشق من صفته هذه حكم عليه هذا المعشوق فنقله إليه وكساه من ملابسه فأخرجه عن الذي يقتضيه عالم الطبيعة من كدر الشبه إذا كان المعشوق علما والشبهات والحرام إذا كان المعشوق عملا والشهوات الطبيعية إذا كان المعشوق روحا مجردا عن المواد وعن البشرية إذا كان المعشوق ملكا وعما سوى الله إذا كان المحبوب هو الله فالمحب الصادق من أنتقل إلى صفة المحبوب لا من أنزل المحبوب إلى صفته ألا ترى الحق سبحانه لما أحبنا نزل إلينا في ألطافه الخفية بما يناسبنا مما يتعالى جده وكبرياؤه عن ذلك فنزل إلى التبشبش بنا إذا جئنا إلى بيته نقصد مناجاته وإلى الفرح بتوبتنا ورجوعنا إليه من أعراضنا عنه والتعجب من عدم صبوة الشاب من الشاب الذي هو في محل حكم سلطانها وأن كان ذلك بتوفيقه وإلى نيابته عنا في جوعنا وعطشنا ومرضنا وأنزاله نفسه ألينا منزلتنا لما جاع بعض عبيده قال للآخرين جعت فلم تطعمني ولما عطش آخر من عباده قال سبحانه لعبد آخر ظمئت فلم تسقني ولما مرض آخر من عباده قال لآخر من عباده مرضت فلم تعدني فإذا سأله هؤلاء العبيد عن هذا كله يقول لهم أما أن فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده أما أنه جاع فلان فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي أما أنه عطش فلان فلو سقيته لوجدت ذلك عندي والخبر صحيح فهذا من ثمرة المحبة حيث نزل إلينا فلهذا قلنا أن الصدق في المحبة يجعل المحب يتصف بصفة المحبوب وكذا العبد الصادق في محبته ربه يتخلق باسمائه فيتخلق بالغنى عن غير الله وبالعز بالله تعالى وبالعطاء بيد الله تعالى وبالحفظ بعين الله تعالى وقد علم العلماء التخلق باسماء الله ودونوا في ذكل الدواوين وسبب ذلك لما أحبوه اتصفوا بصفاته على حد ما يليق بهم ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل أن العلوم وأعني بها المعلومات إذا ظهرت بذواتها للعلم وأدركها العلم على ما هخي عليه في ذواتها فذلك العلم الصحيح والإدراك التام الذي لا شبيهة فيه البتة وسواء كان ذلك المعلوم وجودا أو عدما أو نفيا أو اثباتا أو كثيفا أو لطيفا أو ربا أو مربوبا أو حرفا أو معنى أو جسما أو روحا أو مركبا أو مفردا أو ما أنتجه التركيب أو نسبة أو صفة أو موصوفا فمتى ما خرج شئ مما ذكرناه عن أن يبرز للعلم بذاته وبرز له في غير صورته فبرز العدم له في صورة الوجود بالعكس والرب بصفة المربوب والمربوب بصفة الرب والمعاني في صور الأجسام كالعلم في صورة اللبن والثبات فيالدين في صورة القيد والايمان في صورة العروة والإسلام في صورة العمد والأعمال في صور الأشخاص من الجمال والقبح فذلك هو الكد الذي يلحق العلم فيحتاج من ظهر له هذا إلى قوة إلهية تعديه من هذه الصورة إلى المعنى الذي ظهر في هذه الصورة فيتعب وسبب ذلك حضرة الخيال والتمثيل والقوة المفكرة وأصل ذلك هذا الجسم الطبيعي وهو المعبر عنه بالحوض في هذا المنزل وقعر هذا الحوض هو خزانة الخيال وكدر ماء هذا الحوض المستقر في قعره هو ما يخرجه الخيال والتخيل عن صورته فيطرأ التلبيس على الناظر بما ظهر له فما يدري أي معنى ليس هذه الصورة فيتحير ولا يتخلص له ذلك أبدا من نظره إلا بحكم الموافقة وهو على غير يقين محقق فيما أصاب من ذلك إلا بأخبار من الله ولهذا لما قام أبو بكر الصديق في هذا المقام وسأل تعبير الرؤيا وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتعبيرها فلما فرغ سأل النبي صلى الله عليه وسلم فيما عبره مل أصاب أو أخ طأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت بعضا وأخطأت بعضا فما علم الصديق اصابته للحق في ذلك من خطئه فلهذا قلنا أن المصيب في مثل هذا ليس على يقين فيما أصابه فلهذا جنح العارفون وامتنعوا أن يأخذوا العلم إلا من الله بطريق الوهب الذي طريقه في الأولياء الذكر لا الفكر فإن أعطوا المعاني مجردة وبرزت لهم المعلومات بذواتها في صورها التي هي حقائقها فهو المقصود وإن أبرزها الحق لهم عند الذكر وهذا الطلب في غير صورها وحجب عنهم ذواتها أعطوا من القوة والنور والنفوذ في تلك الصور إلى ما وراءها هو الذي أريدت له هذه الصور وقيد بها فمشهوده على كل حال المعاني التي هي المقصود وهي عالم الألفاظ والعبارات بمنزلة المنصوص والمحكم الذي لا أشكال فيه ولا تأويل والآخر بمنزلة الظواهر التي تحمل المعاني المتعددة وما يعرف الناظر مقصد المتكلم بها منها واعلم أن هذه العلوم إذا أعطاها الله العبد في غير صورها وأعلمه ما أراد بها فوقف على عينها من تلك الصورة في تلك الصورة فهو المشبه بالحوض لأنه يدرك الماء ويدرك الكدر الذي في قعر الحوض ويلبس الماء ولا بد في ناظر العين لون ذلك الكدر حمرة كان أو صفرة أو ما كان من الألوان فتبصر الماء أحمر أو أصفر وغير ذلك من الألوان ولهذا قال الجنيد وقد شئل عن المعرفة والعارف فقال لون الماء لون إنائه ولما قبل الماء هذا اللون صار في العين مركبا من متلون ولون وهو في نفس الأمر شئ آخر فيعلم الماء ويعلم أن ذلك لون الوعاء كذلك التجليات في المظاهر الإلهية حيث كانت فأما العارف فيدركها دائما والتجلي له دائم والفرقان عنده دائم فيعرف من تجلى ولمإذا تجلى ويختص الحق دون العالم بكيف تجلى لا يعلمه غير الله لا ملك ولا نبي فإن ذلك من خصائص الحق لأن الذات مجهولة في الأصل فعلم كيفية تجليها في المظاهر غير حاصل ولا مدرك لأحد من خلق الله هذا هو العلم الذي لا ينتج غيره فهو منقطع النسل لا عقب له وما عدا هذا من العلوم فقد يكون العلم بالنظر فيه ينتج علما آخر ولا يكون إلا هكذا وهو الأكثر بل هو الذي بأيدي الناس فإن المقدمات إن لم يحصل لك العلم بها وبما ينتج منها مما لا ينتج والسبب الرابط بينهما فبعد حصول هذا العلم ينتج لك العلم بما أعطاه هذا التركيب الخاص وهو التناسل الذي يكون في العلوم بمنزلة التناسل الذي يكون في النبات والحيوان وهذا هو تناسل المعاني ولهذا قبلت المعاني الصور الجسدية لأن الأجساك محل التوالد فإن قلت فالذي يكون من العلوم لا ينتج فكان ينبغي أن لا يقبل الصورة قلنا إنما قبل الصورة من كونه نتيجة عن منتج ونتاج وهو في نفسه عقيم لا ينتج أصلا كالعقيم الذي يكون في الحيوان مع كونه متولدا من غيره ولكن لا يولد له لأنه على صفة قامت به تقتضي له ذلك ولذلك جاء الحق في تنزيه نفسه عن الأمرين فقال لم يلد ولم يولد وهذا تنزيه الذات فلا تتعلق ولا يتعلق بها والنتاج إنما وقع وظهر في المرتبة فطلب الرب المربوب والقادر والمقدور فإن قلت فإذا كان الأمر على ما ذكرت في لم يلد ولم يولد فكانت المظاهر تبطل وهي موجودة فما جوابك قلنا المظاهر للمرتبة لا للذات فلا يعبد إلا من كونه إلها ولا يتخلق باسمائه وهي عين العبادة له إلا من كونه إلها ولا يفهم من مظاهره في مظاهره الأكوانه إلها فاعلم ذلك ولو كانت المظاهر تظهرها الذات من كونها ذاتا علمت أحيط بها ولو أحيط بها حدت ولو حدت انحصرت ول انحصرت ملكت وذات الحق تتعالى علوا كبيرا عن هذا كله فعلمنا أنه ليس بين الذات وبين هذه المظاهر نسبة يتعلق العلم بها من حيث نسبة المظهر إليها أصلا وإذا لم يحصل مثل هذا العلم في نفوس العلماء بالله وتعالى عن ذلك فأبعد وأبعد أن تعلم نسبة الذات إلى المظاهر فإن قلت أن النسبة واحدة ولكن لها طرفإن من حيث الذات طرف ومن حيث المظهر طرف قلنا ليس الأمر كما تظن في أن النسبة واحدة بين المتضايفين فإن نسبة الولد إلى نسبة بنوة والبنوة انفعال ونسبة الوالد إلى نسبة أبوة والأبوة فاعليه وأين أن يفعل من أن ينفعل هيهات فليست النسبة واحدة ولا لها طرفإن أصلا فإنها غير معقولة الإنقسام أعني هذه النسبة الخاصة وهو الطرف الذي جعلته أنت للنسبة بخيالك فذلك الطرف هو النسبة التي إذا الطرفإن للشئ الموصوف بهما يوذنان بقسمته والمعنى لا ينقسم فإنه غير مركب والذي بنتيجة هذا العلم المشبه بالحياض مناجاة الحق من جهة الصدر وهو مناجاتك إياه في صدورك عنه حين أمرك بالخروج إلى عباده بالتبليغ أن كنت رسولا وبالتثبيت إن كنت وارثا وهذه المناجاة لا تكون منه إليك إلا فيك لا في غيرك فمنك تعرفه لا من غيرك لأنك الحجاب الأقرب والستر المسدل عليه ومن كونك سترا وحجابا حددته فمعرفتك به في هذا الموطن عين عجزك عن معرفته وإن شئت قلت عين الجهل به ونريد بالجهل عدم العلم وأما الغير فحجاب أبعد بالنظر إليك فإن الله ما وصف نفسه إلا بالقرب إليم وهكذا قربه من غيرك إلى ذلك الغير كقربه إليك فوصفه بالقرب إليك أبعد بالنظر إلى غيرك إذا أراد العلم بكيفية قربه من الأشياء بقوله تعالى ' ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ' فأثبت قربه إلى الأشياء ونفى العلم بكيفية قربه من الأشياء بقوله تعالى ' ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ' فعم البصيرة والبصر إذ كان ادراك البصر في الباطن يسمى بصيرة والذات واحدة واختلف عليها المواطن فسمى في ادراك المحسوس بصرا وفي ادراك المعاني بصيرة فالمدرك واحد العين فيهما ولما كان على الحوض الذي يكون في الدار الآخرة كؤس كثيرة على عدد الشاربين منه أن الماء في الإناء على صورة الإناء شكلا ولونا علمنا قطعا أن العلم بالله سبحانه على قدر نظرك واستعدادك وما أنت عليه في نفسك فما اجتمع اثنان قط على علم واحد في الله من جميع الجهات لأنه ما اجتمع في اثنين فما عرف أحد من الحق سوى نفسه فإذا عامل من تجلى له بما عامله به وقد ثبت أن عمله يعود عليه لن ينال الله من ذلك شئ قال صلى الله عليه وسلم إنما هي أعمالكم ترد عليكم فيكسوكم الحق من أعمالكم حللا على قدر ما حصنتموه واعتنيتم بأصولها فمن لابس حرير أو من لابس مشاقة كتان وقطن وما بينهما فلا تلم إلا نفسك ولا تلم الحائك فما حاك لك إلا غزلك فإنقلت كيف تقول لن ينال الله من ذلك شئ وقد قال سبحانه يناله التقوى منكم فلتعلم أن المراد باثبات النيل هنا وعدم النيل في جانب الحق أن الله سبحانه ما يناله شئ من أعمال الخلق مما كلفهم العمل فيه نيل افتقار إليه وتزين به ليحصل له بذلك حالة لم يكن يناله التقوى وهو أن تتخذوه وقاية مما أمركم أن تتقوه به على درجات التقوى ومنازله فقد قال اتقوا النار واتقوا الله وقوا الله وقوا أنفسكم وأهليكم فمعنى يناله التقوى أنه يتناوزل منك ليلبسك إياها بيده تشريفا لك حيث خلع عليك بغير واسطة إذ لبسها غير المتقى منغير يد الحق وسواء كانت الخلعة من رفيع الثياب أودنيئها فذلك راجع إليك فإنه ما ينال منك إلا ما أعطيته وإن جمع ذلك التقوى فإنه لا يأخذ شيأ سبحانه من غير المتقى فلهذا وصف نفسه بأن التقوى تناله من العباد وإنما وصف الحق سبحانه بأن التقوى تصيبه واللحوم والدماء لا تصيبه لما كانت الإصابة بحكم الإتفاق لا بحكم القصد أضاف النيل إلى المخلوق لأنه يتعالى أن يعلم فيقصد من حيث يعلم ولكن إنما يصاب بحكم الإتفاق مصادفة والحق منزه أن يعلم الأشياء بحكم الإصابة فيكون علمه للأشياء افاقا فإذا ناله التقوى من المتقى وخدم بين يديه وحعل ذاته بين يديه مستسلما لما يفعله فيه فيخلع سبحانه عند ذلك من العلم على المتقي ومن شأن هذا العلم أن يحصل من الله تعالى للعبد بكل وجه من وجوه العطاء حتى يأخذ كل آخذ منه بنصيب فمنهم من يأخذه من يد الكرم ومنهم من يأخذه من يد الجود ومنهم من يأخذ من يد السخاء ومنهم من يأخذه من يد المنة والكول إلا الإيثار فإنه ليس له يد في هذه الحضرة الإلهية إذ كان لا يعطي عن حاجة إلى الأخذ عنها فتتسم من هذا رائحة الإيثار وليس بصحيح وإنما وقع في ذلك طائفة قد أعمى الله بصيرتهم ولذلك العارفون اتصفوا بأصناف العطاء في التخلق بالاسماء لا بالإيثار فإنهم في ذلك امناء لا يؤثرون إذ لا يتصور الإيثار الحقيقي لا المجازي عندهم والعارف لا يقول أعطيتكم وإنما يقول أعطيتك لأنه لا يشترك اثنان في عطاء قط فلهذا يفرد ولا يجمع فالجمع في ذلك توسع في الخطاب والحقيقة ما ذكرناه وللكلام في هذا المنزل مجال رحب لا يسعه الوقت والله يقول الحق وهو يهدي السبيل منازل الحوض وأسراره . . . مراتب العلم وأنواره
وهو من العلم الذي لم يزل . . . صفاؤه شيب باكداره
محله الطبع الذي رتقه . . . يلحقه القعر باغباره
الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره
من المقام الموسوى
العلم علمان علم الدين في الصور . . . الظاهرات من الأرواح في البشر
وعلم حق بتحقيق يؤيده . . . ما أودع الله في الآيات والسور
من كل ناظرة بالعين ناضرة . . . فاللام ناظرة بالفاء في خبر
هذي منازل أنوار سباعية . . . الخمس تخنس دون الشمس والقمر
منها ليظهر ما في الغيب من عجب . . . فكل منزلة تسعى على قدر
إن الصفات التي جاء الكتاب بها . . . تقدست على مجال العقل والفكر
وكيف يدرك من لا شئ يشبه . . . من يأخذ العلم عن حس وعن نظر
فالعلم بالله عين الجهل فيه به . . . والجهل بالله عين العلم فأعتبر
وليس في الكون معلوم سواه فما . . . تقول يا أيها المغلوب عن حصر
صفحہ 588