فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
له الشؤن من الرحمن وهي بنا . . . تقوم شرعا وإيمانا وتوحيدا أعلم أن القوم أصطلحوا على أن حقيقة الوقت ما أنت به وعليه في زمان الحال وهو أمر وجودي بين عدمين وقيل الوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم دون ما يختارون لأنفسهم وقيل الوقت ما يقتضيه الحق ويجريه عليك وقيل الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك وقيل الوقت كل ما حكم عليك ومدار الكل على أنه الحاكم ومستند الوقت في الإلهية وصفه نفسه تعالى أنه كل يوم في شأن فالوقت ما هو به في الأصل إنما يظهر وجوده في الفرع الذي هو الكون فتظهر شئن الحق في أعيان الممكنات فالوقت على الحقيقة ما أنت به وما أنت به هو عين استعدادك فلا يظهر فيك من شؤن الحق التي هو عليها إلا ما يطلبه استعدادك فالشأن محكوم عليه بالأصالة فإن حكم استعداد الممكن بالإمكان أدى إلى أن يكون شأن الحق فيه الإيجاد ألا ترى أن المحال لا يقبله فأصل الوقت من الكون لا من الحق وهو من التقدير ولا حكم للتقدير إلا في المخلوق فصاحب الوقت هو الكون فالحكم حكم الكون كما قررنا في ظهور الحق في أعيان الممكنات بحسب ما تعطيه من الإستعداد فتنوعه بها وهو في نفسه الغنى عن العالمين ولما كانت أذواق في الوقت تختلف لذلك اختلفت عباراتهم عنه والوقت حقيقة كل ما عبروا به عنه وهكذا كل مقام وحال ليس يقصدون في التعبير عنه الحد اللذاتي وإنما يذكرونه بنتائجه وما يكون عنه مما لا يكون إلا فيمن ذلك المقام أو الحال نعته وصفته فمن أحكامه فيهم وفي غيرهم أن الله قد رتب لهم أمور معتادة يتصرفون فيها بحكم العادة مما لا جناح عليهم فيها أو مما قد اقترن به خطاب من الحق بأنه قربة فيختارون لأنفسهم فعل ذلك على جهة القربة إن كان من القرب أو على كونه مرفوع الحرج فيصادفهم من الحق أمر لم يكن في خاطرهم ولا اختاروه لأنفسهم فيعلمون أن الوقت أعطى ذلك الأمر وإن الله اختاره لهم فإنه القائل وربك يخلق ما يشاء أي يقدر ويوجد ثم قال ويختارون ونفى أن تكون لهم الخيرة فقال ما كان لهم الخيرة وعندنا أن هنا إسم وهو في موضع نصب على أنه مفعول بقوله ويختار لنفسه في المنشط والمكره ويرى أن الكل له فيه خير فيعامله الله كل ذلك بخير فإن كان وقته يعطى نعمة وكان عقده مع الله مثل هذا رزقه الشكر عليها والقيام بحق الله فيها وأعين عليها وإن كان بلاء رزق الصبر عليه والرضابه وجعل الله له مخرجا من حيث لا يحتسب كرجل يريد أن يسبح الله مائة ألف تسبيحة فيحتاج إلى زمان طويل في ذلك مع ما فيه من التعب والنفرغ إليه من الحضور فيعثر على خبر صدق أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل قول الإنسان سبحانه الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضاء نفسه سبحان الله مداد كلماته ثلاث مرات والحمد الله مثل ذلك والله أكبر مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك أفضل مما أراده هذا العبد فقال هذا القول الذي جاءه بحكم المصادفة وإن لم يكن عنده منه خبر وترك ما كان يريدون أن يذكرونه وعلم أن الذي اختاره الله له بهذا التعريف في هذا الوقت أعظم مما اختاروه لنفسه وقد وقع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عجوز مر عليها والحديث مشهور فإذا اقتضى الحق أمرا وكان له بك عناية أجراه عليك ورزقك القيام بحقه فالعاقل من أهل الله من يرى أن الخير كله الذي يكون للعبد هو فيما اقتضاه الحق فيما شرع لعباده وبعث به رسوله صلى الله عليه وسلم فمن استعمله الله في اقتضاء الحق المشروع فما بعد عناية الله به من عنية لمن عقل عن الله فالوقت المعلوم من جانب الحق هو عين ما خاطبك به الشرع في الحال فكن بحسب قول الشارع في كل حال تكن صاحب وقت وهو علامة على أنك من السعداء عند الله وهذا عزيز الوجود في أهل الله هو لآحاد منهم من أهل المراقبة لا يغفلون عن حكم الله في الأشياء وهنا زلت أقدام طائفة من أهل الحضور مع الله في كل شئ فهم لا يغفلون عن الله طرفة عين ولكنهم يغفلون عن حكم الله في الأشياء أو في بعضها أو في أكثرها فمن لم يغفل عن حكم الله في الأشياء فما غفل عن الله فقد جمعوا بين الحضور مع الله وخع حكمه فهم أكثر علما وأعظم سعادة وهم أصحاب الوقت الذي يعطى السعادة وبعض رجال الله علم أن الله لا يعدم الأشياء القائمة بأنفسها بعد وجودها ولا يتصف بإعدام أحوالها ولا اعراضها بعد وجودها وإنما الأشياء تكون على أحوال فتزول تلك الأحوال عنها فيخلع الله عليها أحوالا غيرها أمثالا كانت أو اضدادا مع جواز اعدام الأشياء بمسكه الإمداد بما به بقاء أعيانها لكن قضى القضية أن يكون الأمر إلا هكذا ولذلك قال أن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ولكن ما فعل فإن الإرادة والمشيئة ما تحدث له إذ ليس ملا للحوادث فمشيئته أحدجية التعلق لكنه في الأشياء بين أن يجمعها أو يفرقها كلا أو بعضا وهي الأكوان فالوقت على الحقيقة عند الكامل جمع وتفرقة دائما ومن الناس من يشهد التفرقة خاصة في الجمع ولا يشهد جمع التفرقة فيتخيل أن ذلك عين الوقت فإذا سئل عن الوقت يشبهه بالمبرد فيقول الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك يقول يفرق جمعيتك ولا يذهب عينك فمن عرف الوقت وإن الحكم له فيه سكن تحت ما حكم به عليه والله يقول الحق وهو ويهدي السبيل
الباب التاسع والثلاثون ومائتان في الهيبة
إن الجمال مهوب حيثما كانا . . . لأن فيه جلال الملك قد بانا
الحسن حليته واللطف شيمته . . . لأذاك نشهده روحا وريحانا
فالقلب يشهدهع بخالقه . . . والعين تشهده بالذوق إنسانا
اعلم أن الهيبة حالة القلب يعطيها أثر تجلي جلال الجمال الإلهي لقلب العبد فإذا سمعت من يقول : إن الهيبة نعت ذاتي للحضرة الإلهية فما هو قول صحيح ولا نظر مصيب ، وإنما هي أثر ذاتي للحضرة إذا تجلى جلال جمالها للقلب ، وهي عظمة يجدها المتجلي له في قلبه إذا أفرطت تذهب حاله ونعته ولا تزيل عينه ، فلما تجلى ربه للجبل جعله ذلك التجلي دكا فما أعدمه ولكن أزال شموخه وعلوه ، وكان نظر موسى يفي حال شموخه ، وكان التجلي له من الجانب الذي لا يلي موسى ، فلما صار دكا ظهر لموسى ما صير الجبل دكا ' وخر موسى صعقا ' لأن موسى ذو روح له حكم يفي مسك الصورة على ما هي عليه ، وما عدا الحيوان فروحه عين حياته لا أمر آخر فكان الصعق لموسى مثل الدك للجبل لاختلاف الاستعداد ، إذ ليس للجبل روح يمسك عليه صورته ، فزال عن الجبل اسم الجبل ولم يزل عن موسى بالصعق اسم موسى ولا اسم إنسان فأفاق موسى ولم يرجع الجبل جبلا بعد دكه لأنه ليس له روح يقيمه ، فإن حكم الأرواح في الأشياء ما هو مثل حكم الحياة لها ، فالحياة دائمة كل شيء والأرواح كالولاة وقتا يتصفونن بالعزل ووقتا يتصفون بالولاية ووقتا بالغيبة عنها مع بقاء الولاية ، فالولاية ما دام مدبرا لهذا الجسد الحيواني والموت عزله والنوم غيبته عنه مع بقاء الولاية عليه ، فإذا علمت أن الهيبة عظمة وأن العظمة راجعة لحال المعظم بكسر الظاء اسم فاعل علمت أنها حالة القلب فهو نعت كياني ، ومستنده في الألهية من العلوم التي لا تنقال ولا تذاع ولا يعرفه إلا من علم أن الوجود هو الحق أنه المنعوت بكل النعت قال تعالى ' ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ' يعني تلك العظمة ، ولما كانت العظمة تعطي الحياء والحياء نعت إلهي فإن الله يستحي من ذي الشيبة يوم القيامة لعظيم حرمة الشيب عنده تعالى ، فقد نعت نفسه بأن بعض الأشياء تعظم عنده كما قال ' وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ' فقد قامت العظمة لذلك الذي هان على الجاهل بقدبة من الإفتراء على بيت رسول الله والألفاظ لما كانت محجورة من الشارع علينا فلا نطلقها إلا من حيث أمرنا إطلاقها ، فوقع الفرق بين الهيبة والعظمة فنطلق العظمة في ذلك ولا نطلق الهيبة ولا الخوف ولا القبض فاعلم ذلك والله سبحانه يقول الحق وهو يهدي السبيل
صفحہ 529