فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم فمن ذلك الإتباع لرسول صلى الله عليه وسلم فيما شرع قال تعالى ' قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ' فالعم أم لله محبتين أو تعلقين محبته لعباده الذي هو خصوص إرادة التعلق الأول حبه إياهم ابتداء بذلك الحب وفقهم الإتباع اتباع رسله سلام الله على جميعهم ثم أنتج لهم ذلك الإتباع تعلقين من المحبة لأن الإتباع وقع من الطرفين من جهة أداء الفرائض والتعلق الآخر من جهة ملازمة النوافل قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال الحديث وفيه وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببتهع كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وإذا كان الحق سمع العبد وقواه في النوافل فكيف بالحب الذي يكون من الحق له باداء الفرائض وهو أن يكون يريد بإدارة هذا العبد المجتبي ويجعل له التحكم في العالم بما شاء بمشيئته تعالى الأولية التعلق التي بها وفقه فإندرج هذا التعلق في الأول وهو قوله ' وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ' وكل صفة ذكرها الحق أنه يحب من أجلها من قامت به فما حصلت له تلك الصفة إلا باإتباع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنها وذلك عن الله فإنه ما ينطق عن الهوى وإنه يفعل به وبنا فنفى أن يكون الفعل له ولنا كما يراه بعضهم وهو قوله ' وما أدري ما يفعل بي و لا بكم أن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ' فهو قوله ما على الرسول إلا البلاغ ومعنى الإتباع والرسل أيضا تابعون فإنه يقول عليه السلام أن اتبع ما يوحى إلي فيكون ما يظهر عليه من الإتباع في فعل الله نتيجة اتباع لأوامر الله آية ويكون لنا ذلك كرامة وهو الفعل بالهمة والتوجه من غير مباشرة فيظهر على يد هذا العبد من خرق العوائد مما لا ينبغي أن يكون إلا على ذلك الوجه من غير سبب إلا مجرد الإدارة إلا الله تعالى فإن ذلك الفعل إذا ظهرت عن سبب موضوع ظاهر لم يكن من هذا الباب كطيران الطائرة بسبب ظاهر وإن كان لا يمسكه إلا الله أي الله الذي وضع له أسباب الإمساك في الهواء والإنسان إذا اخترق الهواء ومشى فيه بمجرد الإرادة لا بسبب ظاهر معتاد أشبه فعل الحق في تكوين الأشياء بالإرادة فهذا الفارق بينه وبين وقوع ذلك بالأسباب وأصله التحقيق بالإتباع والمتبع في التشريع إنما هو الله والمتبع في الفعل بالإرادة إنما هو الله والكل بعناية الله ومشيئته لا إله إلا الله هو العزيز الحكيم ومن ذلك حبه سبحانه التوابين فالتواب صفته ومن أسمائه تعالى يقول عز وجل أن الله هو التواب فما أحب إلا إسمه وصفته وأحب لأتصافه بها بها على حدما أضافها الحق إليهوذلك أن الحق يرجع على عبده في كل حال يكون العبد عليه مما يبعده من الله وهو المسمى ذنبا ومعصية ومخالفة فإذا أقيم العبد في حق من أساء إليه من أمثاله وأشكاله فرجع عليه بالإحسان إليه والتجاوز عن إساءته فذلك هو التواب ما هو الذي رجع إلى الله فإنه لا يصح أن يرجع إلى الله إلا من جهل أن الله معه على كل حال وما خاطب الحق بقوله ترجعون فيه إلى الله إلا من غفل عن كون الله معه على كل حال كما قال ' وهو معكم أينما كنتم ' ' ونحن أقرب منه منحبل الوريد ' فإن رجعت إليه من حيث حساب أو سؤال فذلك رجوع في الخقيقة من حال أنت عليها الحال ما أنت عليها ولما كانت الأحوال كلها بيد الله أضيف الرجوع إلى الله على هذا الوجه فالراجع إلى الله إنما يرجع من المخالفة إلى الموافقة ومن المعصية إلى الطاعة فهذا معنى حب التوابين فإذا كنت من التوابين على من أساء في حقك كان الله توابا عليك فيما أسأت من حقه فرجع عليك بالإحسان فهكذا فلتعرف حقائق الأمور وتفهم معاني خطاب الله عباده وتميز بين المراتب فتكون من العلماء بالله وبما قاله وجاء ذكره لهذه المحبة في التوابين عقب ذكر الأذى الذي جعله في المحيض وكذلك قال عليه السلام إن الله يحب كل مفتن تواب أي مختبر يريد أم يختبره الله بمن يسئ إليه من عباد الله فيرجع عليهم بالإحسان إليهم في مقابلة إساءتهم وهو التواب لا أن الله يختبر عباده بالمعاصي حاشا الله أن يضاف إليه مثل هذا وإن كانت الأفعال كلها الله من حيث كونها أفعالا وما هي معاصي إلا من حيث حكم الله فيها بذلك فجميع أفعال الله حسنة من حيث ما هي أفعال فافهم ذلك ومن ذلك حبه للمتطهرين قال تعالى ' ويحب المتطهرين ' فالتطهير صفة تقديس وتنزيه وهي صفته تعالى وتطهير العبد هو أن يميط عن نفسه كل أذى لا يليق به أن يرى فيه وإن كان محمودا بالنسبة إلى غير وهو مذموم شرعا بالنسبة إليه فإذا طهر نفسه من ذلك أحبه الله تعالى كالكبرياء والجبروت والتفخر والخيلاء والعجب فمنها صفات لا تدخل القلب جملة واحدة للطابع الإلهي الذي على القلوب وهو قوله كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار فيظهر في ظاهره الكبرياء والجبروت على من استحق من قومه أما في زعمه وتحيله وأما في نفس الأمر وهو في قلبه معصوم من ذلك الكبرياء والجبروت لأنه يعلم عحزه وذلته وفقره لجميع الموجودات وإن قرصه البرغوث تؤلمه والمرحاض يطلبه لدفع ألم البول والخراءة عنه ويفتقر إلى كسيرة خبز يدفع بها عن نفسه ألم الجوع فمن صفته هذه كل يوم وليلة كيف يصح أن يكون في قلبه كبرياء وجبروت وهذا هو الطبع الإلهي على قلبه فلا يدخله شئ من ذلكوأما ظهور ذلك على ظاهره فمسلم ولكن جعل الله لها مواطن يظهر فيها بهذه الأوصاف ولا يكون مذموما وجعل لها موطن يذمه لا يظهر بهذه الصفة إلا منهو جاهل والجهل مذموما ولهذا نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون جاهلا وقال لنوح عليه السلام ' أني أعظك أن تكون من الجاهلين ' فإنه لا يخلو أن يفتخر على مثله أو على ربه وخالقه فإن افتخر على مثله فقد افتخر على نفسه والشئ لا يفتخر علىنفسه ففخره واختياله جهل ومحال وإن يفتخر على خالقه لأنه لا بد أن يكون عارفا بخالقه أو غير عارف بأنه له خالقا فإن عرف وافتخر عليه فهو جاهل بما ينبغي أن يكون لخالقه من نعوت الكمال وإن لم يعرف كان جاهلا فما أبغضه الله ولم يحبه إلا لجهله إذ لم يكن هذا في غير موطنه إلالجهله والجهل موت والعلم حياة وهو قوله تعالى أو من كان ميتا فأحييناه يعني بالعلم وجعلنا له نورا يمشي به في الناس وذلك نور الايمان والكشف الذي أوحى الله به إليه أو أمتن به عليه فالمتطهر من مثل هذه النعوت محبوب لله فافهم ومن ذلك حبه المطهرين قال الله تعالى ' والله يحب المتطهرين ' وهم الذين طهروا غيرهم كما طهروا أنفسهم فتعدت طهارتهم إلى غيرهم فقاموا فيها مقام الحق نيابة عنه فإنه المكهر على الحقيقة والحافظ والعاصم والواقي والغافر فمن منع ذاته وذات غيره أن يقوم بها ما هو مذموم في حقها عند الله فقد عصمها وحفظها وقاها وسترها عن قيام أمثال هذه بها فهو مطهر لها بما علمها من علم ما ينبغي لينفر عنه بنور العلم وحياته وظلمة الجهالة وموتها فيكون في ميزانه يوم القيامة ومن الأنوار التي تسعى بين يديه وهو محبوب عند الله مخصوص بعناية ولاية إلهية واستخلاف والولاة الخلفاء من المقربين ممن استخلفهم عليهم لأنهم موضع مقصور من استخلافهم دون غيرهم وكل إنسان وال على جوارحه فما فوق ذلك وقد أعلمه اله بما هي الطهارة التي يطهر بها رعإياه ومن ذلك حبه للصابرين وهو قوله ' والله يحب الصابرين ' وهم الذين ابتلاهم الله فحسبوا انفوسهم عن الشكوى إلى غير الله الذي أنزل بهم هذا البلاء وما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا عن حمله لأنهم حملوه بالله وإن شق عليهم لا بد من ذلك وإن لم يشق عليهم فليس ببلاء وما استكانوا لغير الله في إزالته ولجؤا إلى الله في إزالته كما قال العبد الصالح مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين فرفع الشكوى إليهلا إلى غيره فأثنى الله عليه ذلك لما في الصبر أن لم يشك إلى الله من مقاومة القهر الإلهي وهو سوء أدب مع الله والأنبياء عليهم السلام أهل أدب وهم على علم من الله فإنك تعلم أن صبرك ما كان إلا بالله ما كان من ذاتك ولا من حولك وقوتك فإن الله يقول ' واصبر وما صبرك إلا بالله ' فبأي شئ تفتخر وهو ليس لك فما ابتلى الله عباده إلا ليلجؤا في رفع ذلك إليه ولا يلجؤا في رفعه إلى غيره فإذا فعلوا ذلك كانوا من الصابرين وهو محبوب الله ومن أسمائه تعالى النعتية الصبور فما أحب إلا من رأى خلعته عليه ثم أن هنا سرا وأقامك فيه مقامه فإن الصبر لا يكون إلا على أذى وقد عرفنا أن في خلقه من يؤذى الله ورسوله ونعتهم لنا لنعرفهم فندجفع ذلك الأذى عنه تعالى بمقاتلهم أو بتعليمهم إن كانوا جاهلين طالبين العلم وقد سمى نفسه صبورا وقد رفع إلينا ما أوذي به وعرفنا بهم لنذب عنه وندفع الأذى مع الإتصاف بالصبور لنعلم إنا إذا شكونا إليه ما نزل من البلاء وسألناه في رفعه عنا وسؤالنا إياه لا يزول عنا إسم الصبر فلا تزول عنا محبته كما لم يزل عنه إسم الصبور بتعريفه إيانا من إذاه حتى ندفع عنه فإنه ورد في الصحيح ليس أحد أصبر على أذى من الله فاحعل بالك لما نبهناك عليه ومن ذلك حب الشاكرين فوصف الحق نفسه في كتابه أنه يحب الشاكرين والشكر نعمته فإنه شاكر عليم فما أحب من العبد إلا ما هو صفة له ونعت والشكر لا يكون إلا على النعم لا على البلاء كما يزعم بعضهم ممن لا علم له بالحقائق لأنه تعالى أبكن نعمته في نقمته ونقمته في نعمته فالتبس على من لا علم له بالحقائق أي بحقائق الأمور فتخيل أنه يشكر على البلاء وليس بصحيح لاكشارب الدواء المكروه وهو من جملة البلاء ولكن هو بلاء على من يهلك به وهو المرض الذي لأجله استعمله فالألم هو عدو هذاالدواء إياه يطلب ولكن لما قام البلاء بهذا المحل الواجد للألم ورد عليه المنازع الذي يريد إزالته من الوجود وهو الدواء فوجد المحل لذلك كراهة وعلم أنه في طي ذلك المكروه نعمة لأنه المزيل للألم فشكر الله تعالى على ما فيه منالنعمة وصبر على ما يكره من استعماله لعلمه بأنه طالب ذلك المكروه نعمة لأنه المزيل للألم فشكر الله تعالى على ما فيه من النعمة وصبر على ما يكره من استعماله لعلمه بأنه طالب ذلك الألم حتى يزيله فما سعى إلا في راحة هذا المحل فتفطن لهذا فلهذا كان شاكرا فلما شكره على ما في هذا المكروه من النعمة الباكنة زاده نعمة أخرى وهي العافية وإزالة المرض وتصبره الدواء الكره عليه ولذلك قال ' ولئن شكرتم لأزيدنكم ' فزاد العافية وكذلك أيضا لما أوذي الحق وسعينا في إزالة ذلك المؤذى بأن آذيناه أو سسناه حتى رجع عن الأمر الذي كان يؤدى الحق به فإن كنا قد آذينا هذا المؤذى بقتال وأمثاله كان ذلك للحق بمنزلة شرب الدواء الذي يكرهه المريض في الحال ويراه نعمة لما فيه من إزالة ذلك الأمر المؤذى وإ ، ما قلنا ذلك لأن الكل من فعله وقضائه وقدره وقد أوحى الله لنبيه داود أن بيتي له بيتا يعني بيت المقدس فكلما بناه تهدم فقال له ربه فيما أوحى إليه أنه نلا يقوم على يديك فإنك سفكت الدماء فقال له يا رب ما كان ذلك إلا في سبيلك فقال صدقت ما كان إلا في سبيلي ومع هذا أليسوا عبيدي فلا يقوم هذا البيت إلا على يد مطهرة من سفك الدماء فقال يا رب اجعله مني فأوحى الله إليه أنه يقوم على يد ولدك سليمان فبناه سليمان عليه السلام فهذا عين ما نبهتك عليه أن تفكنت ومن هنا تعرف الأمر على ما هو عليه وإن مبنى الأمر الإلهي أبدا على هو فإن لم تعرفه كذا فما عرفته وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فهذا عين ما قلناه من أنه هو لا هو وهنا عقول من لم يشاهد الحقائق على ما هي عليه فلما أزال العبد هذا الأذى عن جناب الحقائق وإن كان فيه ما في استعمال الدواء شكره الله على ذلك والشكر يطلب المزيد فطلب من عباده سبحانه بشكره أن يزيدوه فزادوه في العمل وهو قوله عليه السلام أفلا أكون عبدا شكورا فزاد في العبادة لشكر الله له شكر فزادا الحق في الهداية والتوفيق في مواطن الأعمال حتى إلى الآخرة حيث لا عمل ولا ألم على السعداء وأما التنبيه على استعماله الدواء الكره في إماطة الأذى عن الله فقد أبان عنه الحق في قوله في قبضه نسمة عبده المؤمن فوصف نفسه تعالى بأنه يكره مساءة عبده لكون العبد يكره الموت ولا بد له منه مع أنه وصفه نفسه بأنه كاره لذلك فهذا عين كراهة ما يجده المريض في شرب الدواء لأن مرتبة العلم تعطى ذلك فإنه وقوع خلاف المعلوم محال فلا بد من وجوب وجود العالم لما تعطيه الحقائق الإلهية وأين الإمكان من الوجوب فاشحذ فؤادك واعلم أن الله شاكر عليم فاردف وصفه نفسه بالشكر وصفه بالعلم فزد في عملك تكن قد جازيت ربك على شكره إياك على ما عملت له وذلك العمل هو الصوم فإنه له ودفع الأذى عنه وهو قوله هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا وهو قوله وجبت محبتي للمتحابين في والمتزازورين في والمتجالسين في والمتباذلين في والله يجعلنا ممن أنعم عليه فرأى نعمة الله عليه في كل حال فشكر ومن ذلك حب المحسنين وهو قوله ' والله يحب المحسنين ' والإحسان صفته وهو المحسن المجمل فصفته أحب وهي الظاهرة في نفسه والإحسان الذي به يسمى العبد محسنا هو أن يعبد الله كأنه يراه أي يعبده على المشاهدة وإحسان الله هو مقام رؤيته عباده في حركاتهم وتصرفاتهم وهو قوله ' إنه على كل شئ شهيد ' ' وهو معكم أينما كنتم ' فشهوده لكل شئ هو إحسانه فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك فكل حال ينتقل فيه العبد فهو من إحسان الله إذ هو الذي نقله تعالى ولهذا سمى الأنعام إحسانا فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلا من يعلمك ومن كان علمه عين رؤيته فهو محسن على الدوام فإنه يراك على الدوام لأنه يعلمك دائما وليس الإحسان في الشرع إلا هذا وقد قال له فإن لم تكن تراه فإنه يراك أي فإن لم تحسن فهو المحسن وهذا تعليم النبي الله صلى الله عليه وسلم لجبريل بحضور الصحابة من باب قولهم إياك أثني فأسمعني يا جاره فالمخاطب غير مقصود بذلك العلم فإنه عالم به والمقصود به من حضرمن السامعين وبهذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في هذا الحديث هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم ومن ذلك حب المقاتلين في سبيل الله بوصف خاص قال تعالى ' أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ' يريد لا يدخله خلل فإن الخلل في الصفوف طرق الشياطين والطريق واحدة وهي سبيل الله وإذا قطع هذا الخط الظاهر من النقط ولم يتراص لم يظهر وجود للخط والمقصود وجود الحظ وهذا معنى الرص لوجود سبيل الله فمن لم يكن له تعمل في ظهور سبيل الله فليس من أهل الله وكذلك صفوف المصلين لا تكون في سبيل الله حتى تتصل الناس فيها وحينئذ يظهر سبيل الله في عينه فمن لم يفعل وأدخل الخلل كان ممن سعى في قطع سبيل الله وأزالته من الوجود فأراد الله من عباده في مثل هذا أن يجعلهم من الخالقين ولذلك قال ' فتبارك الله أحسن الخالقين ' ولا يكون السبيل ألا هكذا كالخط الموجود من النفط المتجاورة التي ليس بين كل نقطتين حيز فارغ لا نقطة فيه وحينئذ تظهر صورة الحظ كذلك الصف لا يظهر فيه سبيل الله حتى يتراص الناس فيه فهو يطلب الكثرة وهو في جنات الله تراص أسمائه تبارك وتعالى فيظهر عن تراصها سبيل الخلق فيكون الحي وإلى جانبه العليم ولا يكون بينهما فراغ لإسم آخر ويكون إلى جانبه المريد ويكون إلى جانبه القائل ويكون إلى جانبه القادر ويكون إلى جانبه الحكم وإلى جانبه المقيت وإلى جانبه المقسط وإلى جانبه المدير وإلى جانبه المفصل وإلىى جانبه الرازق وإلى جانبه المحيي فهكذا يكون صف الاسماء الألهية لإيجاد سبيل الخلق الذي يكون بهذا التراص وجوده فإذا ظهرت هذه السبيل وليست بزائدة على تراص هذه الاسماء فأتصف الخلق بهذه الاسماء لأنها بتراصها وهو حالها عن طريق الخلق فلا تزال ظاهرة في الخلق لا تعقل ألا هكذا فالعالم حي عالم مريد قائل قادر حكم مقيت مقسط مدبر مفصل هكذا إلى بقية الاسماء الألهية وهو المعبر عنه في الطريق بالتخلق بالاسماء فتظهر في العبد كما تظهر في أيجاد الطريق المستقيم بتراصها فإن دخلها في الكون خلل زال سبيل الله وظهرت سبل الشياطين التي تتخلل خلل الصفوف كما ورد في الخبر فأجعل بالك لما نبهتك عليه فإذا قام العبد باسماء الحق مقام الاسماء في إيجاد الخلق وقاتل بهذه الصفة الأعداء الذين هم بمنزلة الشياطين التي تتخلل خلل الصف فبالضرورة ينصرون لأنه لم يبق هناك خلل يدخل منه العدو فأحب الله من هذه صفتهم وكذا الأنسان وحده هو صف في كل ما هو فيه متحرك فتكون حركاته كلها لله لا يتخللها شيء لغير الله فلا يقاومه أحد فإن الأعداء أبصارهم إليه محدقة ينظرون في حركاته وأفعاله عسى يجدون خللا يدخلون عليه منه فيقطعون بينه وبين الله بقطع سبيل الله وكل فعل خط فإنه مجموع أسماء ألهية وصفات محمودة والأفعال كثيرة فيكثف الأمر ويعظم وتظهر صور المركبات في العالم أذ كل خطين فما زاد سطح وكل سطحين جسم وكل جسم فمركب من ثمانية وهو صورة كمال ظهرت عن ذات وسبع صفات فغاية التركيب الجسم وليس وراءه مرتبة وقد قام على ثمانية بلا خلاف بين الجميع وما زاد على هذا فهو أجسم أي أكثر سطوحا وإذا كان أكثر سطوحا كان أكثر خطوطا وإذا كان أكثر خطوطا كان أكثر نقطا فلم يزد على ما تركب منه الجسم الذي هو أول الأجسام مادة غير ما قيله الأول أو كان به الجسم الأول فمن تراص في صفه كان خلافا قال تعالى ' فتبارك الله أحسن الخالقين ' فأثبت لهم هذا الوصف وجعل نفسه أحسن لأوليته في ذلك أذ لولاه ما ظهرت أعيان هؤلاء الخالقين فأثبت ما أثبت الله ولا تزله فتحرم فائدة العلم بموافقة الحق فتكون من المخالفين فتكون من الجاهلين فمن كان بهذه الصفة كان محبوبا لله تعالى ومن كان محبوبا لم يدر أحد ما تعطيه أذ لنفسه يعطي وقد تعرضت هنا مسئلة يجب بيانها وهي أن الله أحب أولياء والمحب لا يؤلم محبوبه وليس أحد بأشد ألما في الدنيا ولا بلاء من أولياء الله رسلهم وأنبيائهم وأتباعهم المحفوظين المعانين على أتباعهم فمن أي حقيقة أستحقوا هذا البلاء مع كونهم محبوبين فلنقل أن اله قال يحبهم ويحبونه والبلاء أن لا يكون أبدا ألا مع الدعوى فمن لم يدع أمرا ما لا يبتلي بأقامة الدليل على صدق دعواه فلولا الدعوى ما وقع البلاء غير أن الرسول ما يطالب بالدليل فإنه ما أدعى ولهذا يقال ليس على النافي أقامة دليل وليس الأمر كذلك بل عليه الدليل إذا أدعى النفي فإن أدعى النفي في أمر ما فذلك ثبوت عين الدعوى فيطالب النافي من حيث دعواه على أقامة الدليل لأنه مثبت ولما أحب الله من أحب من عباده رزقهم محبته من حيث لا يعلمون فوجدوا في نفوسهم حبا لله فأدعوا أنهم من محبي الله فأبتلاهم الله من كونهم محبين وأنعم عليهم من كونهم محبوبين فإنعامه دليل على محبته فيهم ولله الحجة البالغة وأبتلاؤه إياهم لما أدعوه من حبهم إياه فلهذا أبتلى الله أحبابه من المخلوقين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ومن ذلك حب الجمال هو نعت ألهي ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ' أن الله جميل يحب الجمال ' فنبهنا بقوله جميل أن نحبه فإنقسمناه في ذلك على قسمين فمنا من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة فأحبه في كل شيء لأن كل شيء محكم وهو صنعة حكيم ومنا من لم تبلغ مرتبته هذا وما عنده علم بالجمال ألا هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض وهو في الشرع موضع قوله أعبد الله كأنك تراه فجاء بكاف الصفة فتخيل هذا الذي لم يصل إلى فهمه أكثر من هذا الجمال المقيد فقيده به كما قيده بالقبلة فأحبه لجماله ولا حرج عليه في ذلك فإنه أني بأمر مشروع له على قدر وسعه ولا يكلف الله نفسا ألا وسعها وبقي علينا حبه تعالى للجمال فاعلم أن العالم خلقه الله في غاية الأحكام والأتقان كما قال الامام أبو حامد الغزالي من أنه لم يبق في الأمكان أبدع من هذا العالم فأخبر أنه تعالى خلق آدم على صورته والأنسان مجموع العالم ولم يكن علمه بالعالم تعالى ألا علمه بنفسه أذ لم يكن في الوجود ألا هو فلا بد أن يكون على صورته فلما أظهره في عينه كان مجلاه فما رأى فيه ألا جماله فأحب الجمال فالعالم جمال الله فهو الجميل المحب للجمال فمن أحب العالم بهذا النظر فقد أحبه الله وما أحب ألا جمال الله فإن جمال الصنعة لا يضاف إليها وأنما يضاف إلى صانعه فجمال العالم جمال الله وصورة جماله دقيق أعني جمال الأشياء وذلك أن الصورتين في العالم وهما مثلا شخصان ممن يحبهما الطبع وهما جاريتان أو غلامان قد أشتركا في حقيقة الأنسانية فهما مثلان وكمال الصورة التي هي أصول من كمال الأعضاء والجوارح وسلامة المجموع والآحاد من العاهات والآفات ويتصف أحدهما بالجمال فيحبه كل من رآه ويتصف الآخر بالقبح فيكرهه كل من رآه فما هو الجمال الذي أنطلق عليه إسم الجمال حتى أحبه كل من رآه فقد وكلناك في علم ذلك إلى نفسك ونظرك فهذا إذا وقع حب الشخص من مجرد الرؤية خاصة لا بعد الصحبة والمعاشرة فدبروا نظر تعثران شاء الله على عين الأمر في وصف الحق نفسه بأنه جميل وبحبه للجمال مع خلقه المكروه والمضار وما لا يلايم الطباع ولا يوافق الأغراض فهذا قد ذكرنا طرفا من الصفات التي يحب الله من أتصف بها وهي كثيرة جدا فقد نبهناك بما ذكرناه على مأخذها وكيف يتصرف الأنسان فيها فلنذكر طرفا من نعوت الحب الذي ينبغي أن يكون المحب عليها أن شاء الله وبها يسمى محبا فهي كاحدود للحب فمن ذلك أنه موصوف بأنه مقتول تالف سائر إليه باسمائه طيار دائم السهر كامن الغم راغب في الخروج من الدنيا إلى لقاء محبوبه متبرم بصحبة ما يحول بينه وبين لقاء محبوبه كثير التأوه يستريح إلى كلام محبوبه وذكره بتلاوة ذكره موافق لمحاب محبوبه خائف من ترك الحرمة في أقامة الخدمة يستقل الكثير من نفسه في حق ربه ويستكثر القليل من حبيبه يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته خارج عن نفسه بالكلية لا يطلب الدية في قتله يصبر على الضراء التي ينفر منها الطبع لما كلفه محبوبه من تدبيره هائم القلب مؤثر محبوبه على كل مصحوب محو في أثبات قد وطأ نفسه لما يريده به محبوبه متداخل الصفات ما له نفس معه كله له يعتب نفسه بنفسه في حق محبوبه ملتذ في دهش جاوز الحدود بعد حفظها غيور على محبوبه منه يحكم حبه فيه على قدر عقله جرحه جبار لا يقبل حبه الزيادة بأحسان المحبوب ولا النقص بجفائه ناس حظه وحظ محبوبه غير مطلوب بالآداب مخلوع النعوت مجهول الاسماء كأنه سال وليس بسال لا يفرق بين الوصل والهجر هيمان متيم في أدلال ذو تشويش خارج عن الوزن يقول عن نفسه أنه عين محبوبه مصطلم مجهود لا يقول لمحبوبه لم فعلت كذا أو قلت كذا مهتوك الستر سره علانية فضيحة الدهر لا يعلم الكتمان لا يعلم أنه محب كثير الشوق ولا يدري إلى من عظيم الوجد ولا يدري فيمن لا يتميز له محبوبه مسرور محزون موصوف بالضدين مقامه الخرس حاله يترجم عنه لا يحب العوض سكران لا يصحو مراقب متحر لمراضيه مؤثر في المحبوب الرحمة به والشفقة لما يعطيه شاهد حاله ذوا شجان كلما فرغ نصب لا يعرف التعب روحه عطية وبدنه مطية لا يعلم شيأ سوى ما في نفس محبوبه قرير العين لا يتكلم ألا بكلامه هم المسمون بحملة القرآن لما كان المحبون جامعين جميع الصفات كانوا عين القرآن كما قالت عائشة وقد سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن لم تجب بغير هذا وسئل ذو النون عن حملة القرآن من هم فقال هم الذين أمطرت عليهم سحاب الأشجان وأنصبوا الركب والأبدان وتسريلوا الخوف والأحزان وشربوا بكأس اليقين وراضوا أنفسهم رياضة الموقنين فكان قرة أعينهم فيما قل وزجا وبلغ وكفا وستر ووارى كحلوا أبصارهم بالسهر وغضوها عن النظر والزموها العبر وأشعروها الفكر فقاموا ليلهم أرقا وأستهلت آماقهم نسقا صحبوا القرآن بأبدان ناحله وشفاه ذابلة ودموع زائلة وزفرات قاتلة فحال بينهم وبين نعيم المتنعمين وغاية آمال الراغبين فاضت عبراتهم من وعيده وشابت ذوائبهم من تحذيره فكان زفير النار تحت أقدامهم وكان وعيده نصب قلوبهم ومن ألطف ما روينا في حال المحب عن شخص من الحبين حخل على بعض الشيوخ فتكلم الشيخ له على المحبة فما زال ذلك الشخص ينحل ويذوب ويسيل عرقا حتى تحلل جسمه كله وصار على الحصير بين يدي الشيخ بركة ماء ذاب كله فدخل عليه صاحبه فلم ير عند الشيخ أحدا فقال له أين فلان فقال الشيخ هو ذا وأشار إلى الماء ووصف حاله فهذا تحليل غريب وأستحالة عجيبة حيث لم يزل ينحف عن كثافته حتى عاد ماء فكان أولا حيا بماء فعاد الآن يحيى كل شيء لأن الله قال ' وجعلنا من الماء كل شيء حي ' فالمحب على هذا من يحيا به كل شيء وأخبرني والدي رحمه الله أو عمى لا أدري أيهما أخبرني أنه رأى صائدا قد صاد قمرية حمامة أيكةفجاء ساق حر وهو ذكرها فلما نظر إليها وقد ذبحها الصائد طار في الجو محلقا إلى أن علا ونحن ننظر إليه حتى كاد يخفي عن أبصارنا ثم أنه ضم جناحيه وتكلفن بهما وجعل رأسه مما يلي الأرض ونزل نزولا له دوى إلى أن وقع عليها فمات من حينه ونحن ننظر إليه هذا فعل طائر فيأيها المحب أين دعواك في محبة مولاك وحدثنا محمد بن محمد عن هبة الرحمن عن أبي القسم بن هوازن قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن علي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت سمنونا وهو جالس يتكلم في المسجد ي المحبة وجاء طير صغير قريبا منه ثم قرب فلم يزل يدنو حتى جلس على يده ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدم ومات هذا فعل الحب في الطائر قد أفهمه الله قول هذا الشيخ فغلب عليه الحال وحكم عليه سلطان الحب موعظة للحاضرين حجة على المدعين لقد أعطانا الله منها الحظ الوافر ألا أنه قوانا عليه والله أني لا جد من الحب مالو وضع في ظني على السماء لأنفطرت وعلى النجوم لانكدرت وعلى الجبال لسيرت هذا ذوقي لها لكن قواني الحق فيها قوة من ورثته وهو رأس المحبين أني رأيت فيها في نفسي من العجائب ما لا يبلغه وصف والحب على قدر التجلي والتجلي على قدر المعرفة وكل من ذاب فيها وظهرت عليه أحكامها فتلك المحبة الطبيعية ومحبة العارفين لا أثر لها في الشاهد فإن المعرفة تمحو آثارها لسر تعطيه لا يعرفه ألا العارفون فالمحب العارف حي لا يموت روح مجرد لا خبر للطبيعة بما يحمله من المحبة حبه ألهي وشوقه رباني مؤيد باسمه القدوس عن تأثير الكلام المحسوس برهان ذلك هذا الذي ذاب حتى صار ماء لو لم يكن ذا حب ما كان هذا حاله فقد كان محبا ولم يذب حتى سمع كلام الشيخ فثار كامن حبه فكان منه ما كان فحب لا حكم له في المحب حتى يثيره كلام متكلم حب طبيعي لأن الطبيعة هي التي تقبل الأستحالة والأثارة أذ قد كان موصوفا بالحب قبل كلام الشيخ ولم يذب هذا الذوبان الذي صيره ماء بعد ما كان عظما ولحما وعصبا فلو كان ألهي الحب ما أثرت فيه كلمات الحروف ولا هزت روحانيته هذه الظروف فأستحي من دعواه في الحب وقام في قلبه نار الحياء فما زال يحلله إلى أن صار كما حكي فلا يلحق التغيير في الأعيان والتنقل في أطوار الأكوان ألا صاحب الحب الطبيعي وهذا هو الفرقان بين الحب الروحاني الألهي وبين الحب الطبيعي والحب الروحاني وسط بين الحب الألهي والطبيعي فيما هو ألهي يبقى عينه وبما هو طبيعي يتغير الحال عليه ولا يفنيه فالفناء أبدا من جهة الحب الطبيعي وبقاء العين من جانب الحب الألهي جبريل لما كان حبه روحانيا وهو روح وله وجه إلى الطبيعة من حيث جسميته لأن الأجسام الطبيعية الخارجة عن العناصر لا تستحيل بخلاف الأجسام العنصرية فإنها تستحيل لأنها عن أصول مستحيلة والطبيعة لا تستحيل في نفسها لأن الحقائق لا تنقلب أعيانها فغشى على جبريل ولم يذب عين جوهر جسمه كما ذاب صاحب الحكاية فغشى عليه من حيث ما فيه من حب الطبيعة وبقي العين منه من حيث حبه الألهي فالمحب الألهي روح بلا جسم والمحب الطبيعي جسم بلا روح والمحب الروحاني ذو جسم وروح فليس للمحب الطبيعي العنصري روح يحفظه من الأستحالة فلهذا يؤثر الكلام في المحبة في المحب الطبيعي ولا يؤثر في المحب بالحب الألهي ويؤثر بعض تأثير في المحب بالحب الروحاني حدثنا محمد بن أسماعيل اليمني بمكة قال حدثنا عبد الرحمن بن علي قال أنا أبو بكر بن حبيب العامري قال أنا علي بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي قال أخبرنا بكران بن أحمد قال سمعت يوسف بن الحسين قال كنت قاعدا بين يدي ذي النون وحوله ناس وهو يتكلم عليهم والناس يبكون وشاب يضحك فقال له ذو النون مالك أيها الشاب الناس يبكون وأنت تضحك فإنشأ يقولد باسمه القدوس عن تأثير الكلام المحسوس برهان ذلك هذا الذي ذاب حتى صار ماء لو لم يكن ذا حب ما كان هذا حاله فقد كان محبا ولم يذب حتى سمع كلام الشيخ فثار كامن حبه فكان منه ما كان فحب لا حكم له في المحب حتى يثيره كلام متكلم حب طبيعي لأن الطبيعة هي التي تقبل الأستحالة والأثارة أذ قد كان موصوفا بالحب قبل كلام الشيخ ولم يذب هذا الذوبان الذي صيره ماء بعد ما كان عظما ولحما وعصبا فلو كان ألهي الحب ما أثرت فيه كلمات الحروف ولا هزت روحانيته هذه الظروف فأستحي من دعواه في الحب وقام في قلبه نار الحياء فما زال يحلله إلى أن صار كما حكي فلا يلحق التغيير في الأعيان والتنقل في أطوار الأكوان ألا صاحب الحب الطبيعي وهذا هو الفرقان بين الحب الروحاني الألهي وبين الحب الطبيعي والحب الروحاني وسط بين الحب الألهي والطبيعي فيما هو ألهي يبقى عينه وبما هو طبيعي يتغير الحال عليه ولا يفنيه فالفناء أبدا من جهة الحب الطبيعي وبقاء العين من جانب الحب الألهي جبريل لما كان حبه روحانيا وهو روح وله وجه إلى الطبيعة من حيث جسميته لأن الأجسام الطبيعية الخارجة عن العناصر لا تستحيل بخلاف الأجسام العنصرية فإنها تستحيل لأنها عن أصول مستحيلة والطبيعة لا تستحيل في نفسها لأن الحقائق لا تنقلب أعيانها فغشى على جبريل ولم يذب عين جوهر جسمه كما ذاب صاحب الحكاية فغشى عليه من حيث ما فيه من حب الطبيعة وبقي العين منه من حيث حبه الألهي فالمحب الألهي روح بلا جسم والمحب الطبيعي جسم بلا روح والمحب الروحاني ذو جسم وروح فليس للمحب الطبيعي العنصري روح يحفظه من الأستحالة فلهذا يؤثر الكلام في المحبة في المحب الطبيعي ولا يؤثر في المحب بالحب الألهي ويؤثر بعض تأثير في المحب بالحب الروحاني حدثنا محمد بن أسماعيل اليمني بمكة قال حدثنا عبد الرحمن بن علي قال أنا أبو بكر بن حبيب العامري قال أنا علي بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي قال أخبرنا بكران بن أحمد قال سمعت يوسف بن الحسين قال كنت قاعدا بين يدي ذي النون وحوله ناس وهو يتكلم عليهم والناس يبكون وشاب يضحك فقال له ذو النون مالك أيها الشاب الناس يبكون وأنت تضحك فإنشأ يقول كلهم يعبدون من خوف نار . . . ويرون النجاة حظا جزيلا
ليس لي في الجنان والنار رأى . . . أنا لا أبتغي بحبي بديلا
صفحہ 341