591

فتوحات مکیہ

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1418هـ- 1998م

پبلشر کا مقام

لبنان

علاقے
شام
سلطنتیں اور عہد
ایوبی

ذكر النسائي عن السائب بن خلاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل عليه السلام فقال يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية قد ثبت بالدليل العقلي والسمعي أن الله بكل شيء عليم وأنه سميع قريب وقد جاء الشرع بذلك فاستوى المؤمن والعالم فلم يبق لرفع الصوت بالتلبية لجناب الحق مدخل غير أنه تعالى أخبر أنه يباهي بالحاج ملائكته فإذا رفعوا أصواتهم وضجوا بالتلبية شعثا غبرا مهطعين إلى الله تعالى فإنه الداعي لهم كان أعظم عند الملائكة في المباهاة المرادة للحق في ذلك ثم إنه من الأرواح المفارقة لحالة الدنيا بالموت ممن دعانا إلى الحق بعمل الحج كما روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه لما بنى البيت أمره ربه تعالى أن يصعد عليه وأن يؤذن في الناس بالحج فقال يا رب وما عسى يبلغ صوتي فأوحى إليه عليك بالنداء وعلي البلاغ فنادى إبراهيم عليه السلام ' يا أيها الناس إن لله بيتا فحجوه ' قال فأسمع الله ذلك النداء عباده فمنهم من أجاب ومنهم من لم يجب وكانت إجابتهم مثل قولهم بلى حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم فأجابوه إجابة يسمعها من كان الحق سمعه منهم من سارع إلى إجابة الحق وهم الذين يسارعون في الخيرات والقائلين بأن الحج على الفور للمستطيع ومنهم من تلكأ في الإجابة فلم يسرع إلا بعد حين منهم الذين يقولون الحج مع الاستطاعة على التراخي فمن هناك قضوا في هذا الوقت بما قضوا به من ذلك وهم لا يشعرون منهم من كرر الإجابة ومنهم من لم يكرر فمن لم يكرر لم يحج إلا واحدة ومن كرر حج على قدر ما كرر وله أجر فريضة في كل حجة وقد نبه الشارع على ذلك بتكرار التلبية في الحج فقال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك إله الحق فأتى بخمس للتأذين بالحج تشبيها بالنداء للصلوات الخمس فيجيب لكل أذان لأنه كانت قرة عينه في الصلاة ومما يؤيد ما ذهبنا إليه أن الإهلال بالحج ما شرع إلا أثر صلاة لا بد منها ولقد رأيت رجلا بمكة من أهلها يزيد على الثلاثين سنة عمره ما حج قط ولا اعتمر ولا طاف بالبيت فكانت أول عمرة اعتمرها معي وكنت أعلمته كيف يصنع فيها وأخبرت عن رجل بجدة على ليلة من مكة يكون عمره بضعا وثمانين سنة ما حج قط وأخبرت عن رجل من أهل مصر من أهل الثروة ما حدث نفسه بالحج قط فقبض عليه عن أمر صاحب مكة لنازلة وقعت تخيل فيه أنه صاحب النازلة فجاؤا به إلى صاحب مكة وهو مقيد بالحديد ليقتله فوافق يوم الوقوف بعرفة فلما أبصره الواشي قال أيها الأمير ما هو هذا فخلى سبيله واعتذر إليه فاغتسل وأهل بالحج فهكذا هي العناية وأما من لم يجب ذلك النداء الإبراهيمي فهم الذين لم يضرب الله لهم بسهم في الحج مع كونهم سمعوا ومن أصمه الله عن ذلك النداء فهو الذي لا يؤمن بالحج وأما الذين يحج عنهم إذا لم يحجوا فالذي يحج عنهم له الحج كاملا بثوابه وللمحجوج عنه ثواب الحج لا الحج فيحشر في الحاج وليس بحاج هذا أعطاه الكشف فلهذا قد ذكرنا أن رفع الصوت بالتلبية إنما كان للمباهاة وأما المعنى الآخر في حكم الأسماء الإلهية فإنه من أسمائه البعيد وهو التائه الوارد في القرآن حيث وقع فلا ينادي إلا الاسم البعيد من الحالة التي ينادي فيها العبد ليجيب نداء الحق إلى الحالة التي يدعوه إليها والبعد يطلب رفع الصوت بالتلبية لإظهار قوة سلطان الاسم البعيد بأن له التأثير فيما بعد كتأثير القريب إذ لا مفاضلة في الأسماء الإلهية كما قررناه غير مرة فاعلم ذلك انتهى الجزء الثاني والسبعون .

بسم الله الرحمن الرحيم

حديث رابع وعشرون في ذكر الله قبل الإهلال بالحج

صفحہ 886