فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
ذكر الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ' ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها رجوع إلى الأصل فإن الأصل أن لا حجاب ولا ستر والأصل ثبوت العين لا وجودها ولم تزل بهذا النعت موصوفة وبقبولها سماع الخطاب إذا خوطبت منعوتة فهي مستعدة لقبول نعت الوجود مسارعة لمشاهدة المعبود فلما قال لها في حال عدمها كن كانت فبانت بنفسها وما بانت فوجدت غير محجور عليها في صورة موجدها ذليلة في عز مشهدها لا تدري ما الحجاب ولا تعرفه فلما بانت المراتب للأعيان وأثرت الطبيعة الشح في الحيوان ووفره في حقيقة نفس الإنسان لما ركبه الله عليه في نشأته من وفور العقل وتحكيم القوى الروحانية والحسية منه انجرت الغيرة المصاحبة للشح الطبيعي فكان أكثر الحيوان غيرة لأن سلطان الشح والوهم فيه أقوى مما في سواه والعقل ليس بينه وبين الغيرة مناسبة في الحقيقة ولهذا خلقه الله في الإنسان لدفع سلطان الشهوة والهوى الموجبين لحكم الغيرة فيه فإن الغيرة من مشاهدة الغير المماثل المزاحم له فيما يروم تحصيله أو هو حاصل له من الأمور التي إذا ظفر بها واحد لم تكن عند غيره وقد جبله الله على الحرص والطمع أن يكون كل شيء له وتحت حكمه لإظهار حكم سلطان الصورة التي خلق عليها فإن من حقيقتها أن يكون كل شيء تحت سلطانها حتى أن بعض الناس أرسل حكم غيرته فيما لا ينبغي أن يرسلها فغار على الله وما خلق وما كلف إلا أن يغار لله لا على الله فبهذا بلغ من العبد سلطان استحكامها في الإنسان فألحقته بالجاهلين والعقل الكامل يعلم أنه خلق لربه لا لغيره وعلم بذاته أن من خلقه لا يمكن أن يزاحمه في أمر ولا يعارضه في حكم فيقول هو هو على ما هو عليه في نفسه فليس كمثله شيء وأنا أنا على ما أنا عليه في نفسي ولي أمثال من جنسي فليس له فيما أنا عليه قدم إلا التحكم وليس لي فيما هو عليه إلا قبول الحكم فلا مزاحمة ولا غيرة فالإنسان بما هو عاقل إن كان تحت سلطان عقله فلا يغار لأنه ما خلق إلا لله والله لا يغار عليه فإذا غار العاقل فإنما يغار من حيث إيمانه فهو يغار لله ولها موطن مخصوص شرعه له لا تعداه فكل غيرة تتعدى ذلك الحد فهي خارجة عن حكم العقل منبعثة عن شح الطبيعة وحكم الهوى حتى أن بعض الناس يرى أمورا قد أباحها الشرع يجد في نفسه أن لو كان له الحكم فيها لحجرها وحرمها فيرجح نظره في مثل هذا على ما أباح الله فعله ويرى أنه في رأيه أرجح من الله ميزانا ومن رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الذي خطر له وربما يغتاظ حتى يقول أي شيء أصنع هذا شيء قد أباحه الله فلنصبر على ذلك فيصبر على كره وحنق في نفسه على ربه فهو في هدنة على دخن وهذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع الله وهو ممن أضله الله على علم وقد ظهر مثل هذا في الزمان الأول في آحاد الناس وأما اليوم فهو فاش في الناس كلهم فنحن نعلم أن الشارع هو الله وأن الرسول شخص مبلغ عن الله حكمه فيما أراه الله لا ينطق عن هوى نفسه إن هو إلا وحي يوحى والله يقول عنه نفسه ' وما كان ربك نسيا ' ودل عليه دليل العقل والله أشد غيرة من عباده وما قرر من الشرائع إلا ما نقع به المصلحة في العالم فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ومهما زاد فيها أو نقص منها أو لم يعمل بما قرره فقد اختل نظام المصلحة المقصودة لله فيما نزله من الشرائع وقرره من الأحكام فأباح الله لإمائه إتيان المساجد فرأى بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لو رأى ما أحدث النساء بعده لمنع النساء المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل فرأوا أن الله لم يعلم أن مثل هذا يقع من عباده إذ كان هو المشرع سبحانه لا غيره فرجحوا نظرهم على حكم الله حتى أن بعضهم كان يغار على امرأته أن تخرج إلى المسجد وكان قويا في استعمال إيمانه وكانت المرأة تحب إتيان المسجد للصلاة وكانت ذات جمال فائق ويمنعه الخبر الوارد في تحريم منع النساء من إتيان المساجد فيجد في ذلك شدة فلو قدرت أن يرد الله الحكم لهذا الشخص في هذه المسئلة لرجح نظره على حكم الله ومنع النساء المساجد والجائز كالواقع فمازال يحتال عليها حتى امتنعت من نفسها من إتيان المسجد فسر بذلك فلو استحكم في هذا الرجل سلطان العقل ما غار ولو استحكم فيه سلطان الإيمان ما وجد حرجا في قلبه فصبر عليه مما حكم الله به في ذلك قال تعالى ' فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وإنما ضربنا المثل في هذا المساق بتعيين هذا الخبر في النساء لأنا في مسئلة المرأة أنها لا تستر وجهها في الإحرام والغيرة يعطي حكمها الستر وقد ثبت في الصحيح أنه لا أغير من الله يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سعدإن سعد الغيور وأنا أغير من سعد والله أغير مني ومن غيرته حرم الفواحش وما زاد على غيرة الله فهو في نفسه وعند نفسه أغير من الله وإن ذلك الأمر الذي هو عند الله ليس بفاحشة إذ لو كان عند الله فاحشة لحرمها فإن الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فعم الحكم فهذا شخص قد جعل فاحشة ما ليس عند الله فاحشة وأكذب الله فيما قال وجعل بغيرته التي يجدها أنه أحكم من الله في نصب هذا الحكم فلا يزال من هو بهذه المثابة معذبا في نفسه فما أحسن قوله ' ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ' فلو عرض الإنسان نفسه وأدخلها في هذا الميزان لرأى نفسه كافرة بعيدة من الإيمان فإن الله نفى الإيمان عمن هذه صفته وأقسم بنفسه عليه أنه ليس بمؤمن فهو حكم إلهي بقسم تأكيدا له فقال ' فلا وربك لا يؤمنون ' فلو كان الستر لها أصلا لما قيل لها في الإحرام لا تستري وجهك ألا ترى آية الحجاب ما نزلت ابتداء وإنما نزلت باستدعاء بعض المخلوقين هي وغيرها وكثير من أحكام الشرع نزلت بأسباب كونية لولا تلك الأسباب ما أنزل الله فيها ما أنزل ولذلك يفرق أهل الله بين الحكم الإلهي ابتداء وبين الحكم الإلهي إذا كان مطلوبا لبعض عباد الله فيكون ذلك الطلب سببا لنزول ذلك الحكم فكان الحق مكلف في تنزيله إذ لولا هذا ما أنزله بخلاف ما أنزله ابتداء فالمحقق يأخذ الحكم الإلهي المنزل ابتداء بغير الوجه الذي يأخذ به الحكم الإلهي الذي لم ينزل ابتداء فلا يغرنك أيها السائل كون الحق أنزل الأشياء بحكم سؤالات السائلين فبادر إلى قبول حكمه أي نوع كان مشروح الصدر طيب النفس إن أردت أن تكون مؤمنا وأما العاقل الوافر العقل فمستريح مع الله والحكم الإلهي مستريح معه لقد كان صلى الله عليه وسلم يقول ' اتركوني ما تركتكم ' حتى قال في وجوب الحج كل عام لو قلت نعم لوجبت ولكنها حجة واحدة فكره المسائل وعليها فالله يفهمنا وإياك مقاصد الشرع فلا يحجبنا ما ظهر منها مما بطن وعبادة الحج شبيهة بالناس في أحوالهم يوم القيامة شعثا غبرا متضرعين مهطعين إلى الداعي تاركين للزينة يرمون بالأحجار شغل المجانين لأنهم في عبادة لو علموا ما فيها لذهلت عقولهم فكانوا كالمجانين يرمون بالحجارة فجعله الله تنبيها لهم في رمي الجمار أن المشهد عظيم يذهب بالعقول عن أماكنها وما ثم عبادة هي تعبد محض في أكثر أفعالها إلا الحج وكذلك النساء في الدار الآخرة في القيامة مكشفات الوجوه كما هن في حال الإحرام ولولا تعلق الأغراض النفسية في إنزال الحجاب ما نزلت آية الحجاب فإن الله ما أخرها لهذا السبب هي وغيرها من الأحكام الموقوفة على مثل هذا إلا ذخيرة لحساب هذا الشخص الذي كان سببا في تكليف الناس بها فيتمنى يوم القيامة أنه لا يكون سببا في ذلك لما يشدد عليه والناس عن هذا غافلون وكذلك أهل الاجتهاد يوم القيامة وهم رجلان الواحد يغلب الحرمة والثاني يغلب رفع الحرج عن هذه الأمة استمساكا بالآية ورجوعا إلى الأصل فهو عند الله أقرب إلى الله وأعظم منزلة من الذي يغلب الحرمة إذ الحرمة أمر عارض عرض للأصل ورافع الحرج مع الأصل وإليه يعود حال الناس في الجنان يتبوؤن من الجنة حيث يشاؤن وما أغفل أهل الأهواء وإن كانوا مؤمنين عن هذه المسئلة وسيندمون والله يقول الحق وهو يهدي السبيل الوجود دار واحدة ورب الدار واحد والخلق عيال الله يعمهم هذا الدار فأين الحجاب أغير الله يرى أغير الله يرى أينحجب الشيء عن حقيقته جزؤ الكل من عينه خلقت حواء من آدم النساء شقائق الرجال هذه أدوية من استعملها في مرض الغيرة أزالت مرضه ولم تبق فيه إلا غيرة الإيمان فإنها غيرة لا تزول في الحياة الدنيا في الموضع الذي حكمها فيه نافذ فإياك يا أخي وهوس الطبيعة فإن العبد فيه ممكور به من حيث لا يشعر وما أسرع الفضيحة إليه عند الله قال صلى الله عليه وسلم ما كان الله لينهاكم عن الربا ويأخذه منكم فمن غار الغيرة الإيمانية في زعمه فحكمه أن لا يظهر منه ولا يقوم به ذلك الأمر الذي غار عليه حين رآه في غيره فإن قام به فما تلك غيرة الإيمان بل تلك غير الطبيعة وشحها ما وقاه الله منه فليس بمفلح في غيرته وما أكثر وقوع هذا وكم قاسينا في هذا الباب من المحجوبين حين غلبت أهواؤهم على عقولهم فأنا آخذ بحجزهم عن النار وهم يقتحمون فيها : في زعمه فحكمه أن لا يظهر منه ولا يقوم به ذلك الأمر الذي غار عليه حين رآه في غيره فإن قام به فما تلك غيرة الإيمان بل تلك غير الطبيعة وشحها ما وقاه الله منه فليس بمفلح في غيرته وما أكثر وقوع هذا وكم قاسينا في هذا الباب من المحجوبين حين غلبت أهواؤهم على عقولهم فأنا آخذ بحجزهم عن النار وهم يقتحمون فيها :
مرسل الغيرة في موطنها . . . هو فرد أحدي مصطفى
والذي يرسلها مطلقة . . . فهو دار رسمه منه عفا
مرض الغيرة داء مزمن . . . والذي قد شرع الله شفا
فمن استعمله بل ومن . . . حاد عنه لم يزل منحرفا
فأقل الأمر فيه أن يرى . . . وهو موصوف به معترفا
دعا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنا وهذه وأشار إلى عائشة فقال الرجل لا فأبى أن يجيب دعوته صلى الله عليه وسلم إلى أن أنعم له فيها أن تأتي معه فأقبلا يتدافعان إلى منزل ذلك الرجل النبي وعائشة والله تعالى يقول ' لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أين إيمانك لو رأيت اليوم صاحب منصب من قاض أو خطيب أو وزير أو سلطان يفعل مثل هذا تأسيا هل كنت تنسبه إلا إلى سفساف الأخلاق ولو لم تكن هذه الصفة من مكارم الأخلاق ما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر الحسن والحسين وقد أقبلا يعثران في أذيالهما فلم يتمالك أن نزل من المنبر وأخذهما وجاء بهما حتى صعد المنبر وعاد إلى خطبته أترى ذلك من نقص حاله لا والله بل من كمال معرفته فإنه رأى بأي عين نظر ولمن نظر مما غاب عنه العمى الذين لا يبصرون وهم الذين يقولون في مثل هذه الأفعال أما كان له شغل بالله عن مثل هذا وهو صلى الله عليه وسلم والله ما اشتغل إلا بالله كما قالت من لم تعرف فيا ليتها سلمت حين سمعت القارىء يقرأ ' إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ' مساكين أهل الجنة في شغل هم وأزواجهم يا مسكينة ذكر الشغل تعالى عن هؤلاء وما عرفك بمن ولا بمن تفكهوا هم وأزواجهم فيماذا حكمت عليهم أنهم شغلوا عن الله لو اشتغلت هذه القائلة بالله ما قالت هذه المقالة لأنها لا تنسب إليهم شغلهم بغير الله حتى تتصور في نفسها هذه الحالة التي تخيلتها فيهم وإذا تصورتها لم يكن مشهودها في ذلك الوقت إلا تلك الصورة فهي المسكينة لما تحققنا من كلامها أن وقتها ذلك كان شغلا عن الله وأصحاب الجنة في باب الإمكان وهي قد شهدت على نفسها شهود تحقيق أنها مع غير الله في شغل وهذا من مكر الله الخفي بالعارفين في تجريح الغير ببادىء الرأي والتعريض في حق نفوسهم أنهم منزهون عن ذلك هكذا صاحب الغيرة المطلقة لا يزال في عذابها مقيما متعوب الخاطر وهو عند الله في عين البعد من حيث لا يشعر .
حديث سابع عشر في بقاء الطيب على المحرمة
صفحہ 881