فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
خرج البخاري عن ابن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يعني في حجة الوداع الحديث وفيه ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة يعني طواف القدوم أصل أعمال العبادات مبنية على التوقيف ينبغي أن لا يزاد فيها ولا ينقص منها والمحرم بالحج كالمحرم بالصلاة فلا ينبغي أن يفعل فيها إلا ما شرع أن يفعل فيها ومن الأفعال في العبادات ما هو مباح له فعله أو تركه ومنها ما يكون من الفعل فيها مرغبا ومنها أفعال تقدح في كمالها ومنها أفعال تبطلها ولو كانت عبادة كمن تعين عليه كلام وهو في الصلاة فإن تكلم بذلك بطلت الصلاة أو فعل فعلا يجب عليه مما يبطل الصلاة فعله ولا خلاف بين العلماء في أنه إن طاف لا يؤثر في حجه فسادا ولا بطلانا الحقائق لا تتبدل فالتطوع لا يكون وجوبا والتطوع ما يكون المكلف فيه مخيرا إن شاء فعله وإن شاء تركه فله الفعل والترك فمن رأى الترك لم يؤثر في حكم التطوع تحريما ولا كراهة ومن رأى الفعل لم يؤثر في حكمه وجوبا وهذا سار في جميع أحكام الشرائع الخمسة فنسبة التطوع للعبد نسبة أفعال الله إلى الله لا يجب عليه فعلها ولا تركها ولهذا جعل المشيئة في ذلك فأكمل ما يكون العبد في اتصافه بصفة الحق في تصرفه في المباح فإن الربوبية ظاهرة فيه والإباحة مقام النفس وعينها وخاطرها من الأحكام الخمسة الشرعية لأنها على الصورة أوجدها الله فلا بد أن يكون حكمها هذا وأما شبه الإيجاب فلا يكون ذلك إلا في النذر لا غيره فإن الحق أوجب على نفسه أمورا ذكرها لنا في كتابه وصاحب النذر أوجب على نفسه ما لم يوجب الله عليه ابتداء فما أوجب الله على العبد الوفاء بنذره إلا بالنسبة التي أوجب على نفسه فتقوى الشبه في وجوب النذر كما توقى في التطوع وأما التحريم ففيه من الشبه تحجير المماثلة فقال ' ليس كمثله شيء ' فحجر على الكون أن يماثله أو يماثل مثله المفروض فكان عين التحجير عليه أن يتجلى في صورة تقبل التشبيه فإن كان نفس الأمر يقتضي نفي التشبيه فقد شاركناه في ذلك فإنه لا يقبل التشبيه بنا ولا نقبل التشبيه به وإن لم يكن في نفس الأمر كذا وإنما اختار ذلك أي قام في هذا المقام لعبيده فقد حكم على نفسه بالتحجير فيما له أن يقوم في خلافه كما حجر علينا فعلى الحالتين قد حصل نوع من الشبه وأما الوجوب فصورة الشبه أنه على ما يجب له ونحن على ما يجب لنا قال لأبي يزيد تقرب إلي بما ليس لي الذلة والافتقار فله الغنى والعزة من حيث ذاته واجبة ولنا الذلة والافتقار من حيث ذاتنا واجب هذا هو الوجوب الذاتي وأما الوجوب بالموجب فإنه أوجب علينا ابتداء أمورا لم نوجبها على أنفسنا فيكون قد أوجب علينا بإيجابنا إياها على أنفسنا كالنذر فأوجب على نفسه أن يخلق الخلق ابتداء أوجبه عليه طلب كمال العلم به وكمال الوجود فهما الذي طلبا منه خلق الخلق لما كان له الكمال وما رأى لكماله حكما لم يكن لكماله تعلق فطلب فأوجب بطلبه عليه أن يوجد له صورة يرى نفسه فيها لأن الشيء لا يرى نفسه في نفسه عند المحققين وإنما يرى نفسه في غيره بنفسه ولذلك أوجد الله المرآة والأجسام الصقيلة لنرى فيها صورنا فكل أمر ترى فيه صورتك فتلك مرآة لك قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن مرآة أخيه فخلق الخلق فكمل الوجود به وكمل العلم به فعاين كمال الحق نفسه في كمال الوجود فهذا واجب بموجب فوقع الشبه بالوجوب بالموجب كما وقع فيما وقع من الأحكام وحكم الندب والكراهة يلحقان بالمباح وإن كان بينهما درجة فالمندوب هو ما يتعلق بفاعله الحمد ولا يذم بترك ذلك الفعل وشبهه في الجناب الإلهي ما يعطيه من النعم لعباده زائدا على ما تدعو إليه الحاجة فيحمد على ذلك وإن لم يفعله فلا يتعلق به ذم لأن الحاجة لا تطلبه إذ قد استوفت حقها فهذا شبه المندوب وأما شبه المكروه فالله يقول عن نفسه أنه يكره فإنه قال وأكره مساءته وقال ولا يرضى لعباده الكفر والكراهة المشروعة هي ما يحمد تاركها ولا يذم فاعلها فتشبه الندب ولكن في النقيض فإذا كان للعبد غرض فيما عليه فيه ضرر وهو أكثر ما في الناس فيسأل نيل ذلك الغرض من الله فما فعله الله له فيكره العبد ذلك الترك من الله ويقول لعل الله جعل لي في ذلك خيرا من حيث لا أشعر وهو قوله ' وعسى أن تكرهوا شيأ وهو خير لكم ' وهو ما لا يوافق الغرض وهو خير لكم فإن فعله له لا يذمه عليه فإنه يعذر من نفسه ويقول أنا طلبته فهذا عين الشبه بين العبد والرب من جهة المكروه وانحصرت أقسام أحكام الشريعة في الحضرة الإلهية وفي العبد ولهذا يقول الصوفية إن العالم خرج على صورة الحق في جميع أحكامه الوجودية فعم التكليف الحضرتين وتوجه على الصورتين فإن قلت فأبن الشبه في الجهل ببعض الأشياء وما هناك جهل قلنا قد قلنا في ذلك :
بسم الله الرحمن الرحيم
حديث ثالث عشر بقاء الطيب على المحرم بعد إحرامه
خرج مسلم عن عائشة قالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم زاد النسائي بعد ثلاث وهو محرم يعني بعد ثلاث ليال من إحرامه الله تعالى تسمى بالطيب وجعل سبحانه في أمور ومواطن أن يتقرب إليه بصفاته التي تسمى بها وإن من صفاته الكرم وجعله فينا من صفات القرب إليه وهكذا سائر ما وصف الحق به نفسه فبقاء الطيب على المحرم من بقاء صفة الحق عليه إذ كان جعلها وتخلق بها في وقت يجوز له التخلق بها فإن صفات الحق لا يتخلق بها على الإطلاق بل عين لها أحوالا ومواطن فافهم ذلك .
حديث رابع عشر في المحرم يدهن بالزيت غير المطيب
خرج الترمذي عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المفتت قال أبو عيسى المفتت المطيب وفي إسناده مقال من أجل فرقد الزيت مادة الأنوار والمحرم أولى به من كل متلبس بعبادة لكثرة المناسك في الحج فإن لم يكن نوره قويا ممدودا بالنور الإلهي الذي أودع الله في الزيت وأمثاله من الإدهان لبقاء النور وإلا يفوته كثير من إدراك معاني المناسك فنبه بالإدهان بالزيت على الإمداد الإلهي للنور قال تعالى ' يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور فجعله نورا يهدي الله لنوره من يشاء والهداية لا تكون إلا بدليل ولا دليل هنا إلا الزيت ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور فكل ما أبقى عليك وجود النور فذلك النور مجعول له ومراعاة الأصول من التمكن في العلم والحكمة .
حديث خامس عشر في اختضاب المرأة بالحناء ليلة إحرامها
صفحہ 878