1090

فتوحات مکیہ

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1418هـ- 1998م

پبلشر کا مقام

لبنان

علاقے
شام
سلطنتیں اور عہد
ایوبی

وإن أبيت رضاه . . . فما شاء يكون هذا المنزل منه خبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد سورة الدخان من القرآن وهو منزل عظيم فيه من المكر الإلهي والاستدراج ما لا تأمن مع العلم به الملائكة من مكر الله فالعاقل إذا لم يكن من أهل الاطلاع في تصرفاته فلا أقل من أنه لا يزيل الميزان المشروع له الوزن به في تصرفاته من يده بل من يمينه فيحفظه في نفس الأمر من هذا المكر ولا يخرج عن لوازم عبوديته وأحكامها طرفة عين يعطي من الزيادات في العلوم والأمور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال ممكن يكون العروج إليه من الأرواح المفارقة وغيرها منه تبدو العلامات على صدق الصادق وكذب الكاذب من حصل فيه حصل علم الحكمة الجامعة وتميز له الشقي من السعيد فيه تختلف أحوال الناظرين فما يراه زيد نورا يراه عمرو ظلمة ويراه جعفر نورا وظلمة معا فإنه يكشف به الأشياء فيقول هذا نور ويبصره من حيث عينه فيقول ظلمة فيه تكون المنازلات كلها يلتقي فيه الحق النازل والخلق الصاعد فيقول الحق للصاعد إلى أين فيقول إليك ويقول الخلق للنازل إلى أين فيقول إليك فيقول قد التقينا فتعال حتى يعين كل واحد منا ما السبب الذي أوجب لكل واحد منا طلب صاحبه فيقول الحق قصدت بالنزول إليك لنريحك من التعب فنعطيك ونهبك من غير مشقة ولا نصب وأنت في أهلك مستريح لم يكن لي قصد غير هذا ويقول الخلق قصدت بالعروج إاليك تعظيما لك وخدمة لنقف بين يديك وأنت على سرير ملكك وقد علم الملأ الأعلى أني خليفتك وأني أعلم بك منهم لما خصصتني به فإذا رآني الملأ الأعلى بين يديك اقتدوا بي فيما أقوم به بين يديك مما ينبغي لمثلي أن يتأدب معك به فيحصل لهم بالمشاهدة من علم الأدب معك ما لم يكن عندهم لأي رأيتهم جاهلين بمنزلتك مع كونهم يسبحونك لا يفترون تقول لهم إني جاعل في الأرض خليفة فيعارضونك فيه بما حكيت لي عنهم أنهم قالوا ولم يكن ينبغي لهم إلا السمع كما لك الأمر فلما علمت أن الأدب الإلهي ما استحكم فيهم وقد أمرتني بتعليمهم ورأيت أن التعليم بالحال والفعل أتم منه بالقول والعبارة قصدت العروج إليك ليرى الملأ الأعلى بالحال والفعل ما ينبغي أن يعامل به جلالك والاستواء أشرف حال ظهرت به إلى خلقك ومع ذلك اعترضوا عليك فكيف لو نزلت إلى أدنى من حالة الاستواء من سماء وأرض فيقول الحق نعم ما قصدت مثلك من يقدر قدر الأشياء فإنه من عرف قدره وقدر الأشياء عرف قدري ووفاني حقي ألا ترى محمدا صلى الله عليه وسلم لما فرضت عليه وعلى أمته خمسين صلاة نزل بها ولم يقل شيئا ولا اعترض ولا قال هذا كثير فلما نزل إلى موسى عليه السلام فقال له راجع ربك عسى أن يخفف عن أمتك فإني قاسيت من بني إسرائيل في ذلك أهوالا وأمتك تعجز عن حمل مثل هذا وتسأم منه فبقي محمد صلى الله عليه وسلم متحيرا الأدب الكامل يعطيه ما فعل من عدم المعارضة والشفقة على أمته تطلبه بالتخفيف عنها حتى لا يعبد الله بضجر ولا كره ولا ملل ولا كسل فبقي حائرا فهذا ما أثرت الوسائط والجلساء فأخذ يطلب الترجيح فيما قاله موسى عليه السلام وفيما وفى هو صلى الله عليه وسلم من حق الأدب مع الله وقد كان الله تقدم إليه عند ذكر جماعة من الأنبياء عليهم السلام منهم موسى عليه السلام بأن قال له أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فتاول أن هذا الذي أشار به عليه من هداهم ولم يتفطن في الوقت أن موسى عليه السلام لما كان في حال هديه ما سأل التخفيف وذلك الهدى هو الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به فأعطاه الاجتهاد الرجوع إلى الله فسأله التخفيف فما زال يرجع بين يدي الله تعالى وبين موسى عليه السلام إلى أن قال ما أعطاه الأدب استحيين من ربي وانتهى الأمر بالتخفيف إلى العشر فنزل به على أمته وشرع له أن يشرع لأمته الاجتهاد في الأحكام التي بها صلاح العالم لأنه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد رجع بين الله وبين موسى عليه السلام فأمضى ذلك في أمته لتأنس بما جرى منه ولا تستوحش وجبر بهذا التشريع قلب موسى في ذلك فإنه لا بد إذا رجع مع نفسه وزال عنه حكم الشفقة على العباد قام معه تعظيم الحق وما ينبغي لجلاله فلم يستكثر شيئا في حقه وعلم أن القوة بيده يقوي بها من شاء وإذا خطر له مثل هذا وأقامه الحق فيه لا بد له أن يؤثر عنده ندما على ما جرى منه فيما قاله لمحمد صلى الله عليه وسلم فجبر الله قلبه بقوله ما يبدل القول لدي في آخر رجعة وكان قد تقدم القول بالتكثير وبدله بالتخفيف والتقليل فاعلم موسى أن القول الإلهي منه ما يقبل التبديل ومنه ما لا يقبل التبديل وهو إذا حق القول منه فالقول واجب لا يبدل والقول المعروض يقبل التبديل فسر موسى عليه السلام بهذا القول وإنه ما تكلم إلا في عرض القول لا في حقه وكذلك لما علم بما شرع الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد في نصب الأحكام من أجل اجتهاد محمد صلى الله عليه وسلم جبر الله تعالى قلب محمد صلى الله عليه وسلم فيما جرى منه وسرى ذلك في أمته صلى الله عليه وسلم كما سرى الجحد والنسيان في بني آدم من جحد آدم ونسيانه جبرا لقلب آدم فإن هذه النشأة الطبيعية من حكم الطبيعة فيها الجحد والنسيان فكانت حركة آدم في جحده حركة طبيعية وفي نسيانه أثر طبيعي فلو تناسى لكان الأمر من حركة الطبيعة كالجحد من حيث أنه جحد هو أثر طبيعي ومن حيث ما هو جحد بكذ هو حكم طبيعي لا أثر فهذا الفرق بين حكم الطبيعة وبين أثرها والنسيان من أثرها والتناسي من حكمها والغفلة من أثرها والتغافل من حكمها وقليل من العلماء بالله من يفرق بين حكم الطبيعة وأثرها فاجتمع في آدم حكم الطبيعة بالجحد لأنه الأول الجامع في ظهره للجاحدين فحكموا عليه بالجحد فجحد لأن الابن له أثر في أبيه فالجحد وإن كان من حكم الطبيعة فإنه من أثر الجاحدين من أبنائه لأن آدم إنسان كامل وكذا النسيان الواقع منه هو من أثر الطبيعة وحكم الأبناء فإنه حامل في ظهره للناسين من أبنائه فحكموا عليه بالنسيان فانظر ما أعجب هذه الأمور وما يعطيه فتوح المكاشفة من العلوم وجميع ما ذكرناه من أحكام هذا المنزل وله من الحضرة الإلهية الغيب ومن أعيان العالم الطبيعة ومن عالم الشهادة الظلمة ففي الشهادة ترى الظلمة ولا يرى بها وفي الطبيعة تعلم ولا ترى ويرى أثرها ويرى بها وفي الغيب يرى ويرى به مع بقاء اسم الغيب عليه وإنما قلنا هذا لأن الأسماء تتغير بتغير الأحكام ولا سيما في الأسماء الإلهية فإن الحكم يغير الاسم للاسم الآخر الذي يطلبه ذلك الحكم والعين واحدة وفي أحكام الشرائع عكس هذا تغير الأحكام تبع لتغير الأحوال والأسماء والعين واحدة قيل لمالك بن انس من أئمة الدين ما تقول في خنزير البحر من بعض السمك فقال هو حرام فقيل له فسمك البحر ودوا به وميتته حلال فقال أنتم سميتموه خنزيرا والله قد حرم الخنزير فتغير الحكم عند مالك لتغير الاسم فلو قالوا له ما تقول في سمك البحر أو دواب البحر لحكم بالحل وكذا تغير الأحوال يغير الأحكام فالشخص الواحد الذي لم يكن حاله الاضطرار أكل الميتة عليه حرام فإذا اضطر ذلك الشخص عينه فاكل الميتة له حلال فاختلف الحكم لاختلاف الحال والعين واحدة واعلم أن الله من هذا المنزل يقبل التجلي في الصور الطبيعية كثيفها ولطيفها وشفافها لأهل البرازخ والقيامة برزخ وما في الوجود غير البرازخ لأنه منتظم شيء بين شيئين مثل زمان الحال ويسمى الدائم والأشياء المعنوية دور والحسية أكر فما في الكون طرف لان الدائرة لا طرف لها فكل جزء منها برزخ بين جزأين وهذا علم شريف لمن عرفه ولهذا جمع في الإنسان الكامل بين الصورتين الطبيعيتين في نشأته فخلقه بجسم مظلم كثيف وبجسم لطيف محمول في هذا الجسم الكثيف سماه روحا له به كان حيوانا وهو البخار الخارج من تجويف القلب المنتشر في أجزاء البدن المعطي فيه النمو والإحساس وخصه دون العالم كله بالقوة المفكر والتي بها يدبر الأمور ويفصلها وليس لغيره من العالم ذلك فإنه على الصورة الإلهية ومن صورتها يدبر الأمر يفصل الآيات فالإنسان الكامل من تممت له الصورة الإلهية ولا يكمل إلا بالمرتبة ومن نزل عنها فعنده من الصورة بقدر ما عنده ألا ترى الحيوان يسمع ويبصر ويدرك الروائح والطعوم والحار والبارد ولا يقال فيه إنسان بل هو جمل وفرس وطائر وغير ذلك فلو كملت فيه الصورة قيل فيه إنسان كذلك الإنسان لا يكمل فيزول عنه الاسم العام إلى الاسم الخاص فلا يسمى خليفة إلا بكمال الصورة الإلهية فيه إذ العالم لا ينظرون إلا إليها ولهذا لما لم تر الملائكة من آدم إلا الصورة الطبيعية الجسمية المظلمة العنصرية الكثيفة قالت ما قالت فلما أعلمهم الله بكمال الصورة فيه وأمرهم بالسجود له سارعوا بالسجود له ولا سيما وقد ظهر لهم بالفعل في تعليمه الأسماء إياهم ولم لم يعلمهم وقال لهم الله إني أعطيته الصورة والشورة لأخذوها إيماناوعاملوه بماعاملوه به لأمر الله فإذا كوشف الإنسان على الإنسان الكامل ورأى الحق في الصورة التي كساها الإنسان الكامل يبقى في حيرة بين الصورتين لا يدري لأيتهما يسجد فيخير في ذلك المقام بأن يتلى عليه فأينما تولوا فثم وجه الله ففي الإنسان وجه الله من حيث صورته وفي جانب الحق وجه الله من حيث عينه فلأي شيء يسجد قبل سجوده فغن الله يقبل السجود للصورة كما يقبله للعين كما تحير رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المقام في منزلة أخرى لما قيل له حين أسرى به وأقيم في النور وحده فاستوحش وسبب استيحاشه إنما كان حيث أسرى به بجسمه العنصري فأدركته الوحشة بخروجه عن أصله ووقوفه في غير منزله فلم يستوحش منه صلى الله عليه وسلم إلا حقيقة ما ظهر فيه من العناصر فناداه من ناداه بصوت أبي بكر إذ كان قد اعتاد الأنس به فأنس للنداء وأصغى إليه وزالت عنه تلك الوحشة بصوت أبي بكر فقيل له لما أراد الدخول من ذلك الموقف على الله قف يا محمد إن ربك يصلي فتحير في نسبة الصلاة إليه وكان محمد صلى الله عليه وسلم في مقام الصورة الإلهية الكاملة التي تستقبل بالصلاة والسجود لها فلما دنا استقبله ربه بالصلاة له ولا علم له بذلك فناداه الاسم العليم المنسوب إليه الكلام بصوت أبي بكر ليعرفه بمرتبة أبي بكر ويؤنسه به قف إن ربك يصلي والوقوف ثبات وهو قبلة للمصلي فوقف وأفزعه ذلك الخطاب لان حاله في ذلك الوقت التسبيح الذي روحه ليس كمثله شيء فهذا الذي أفزعه فلما تلي عليه عند ذلك هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور تذكر ما أنزله الله عليه في القرآن فزال عنه رعب نسبة الصلاة إلى الله بما ذكره به وكان من أمر الإسراء ما كان وله موضع غير هذا نذكره فيه إن شاء الله فمن أقامه الله بين الصورتين لا يبالي لأيتهما سجد فغن رأى هذا الذي كوشف بالصورتين تصافح الصورتين دون سجود إحداهما للأخرى فهي علامة له على كمال الصورة في حق ذلك الإنسان الخاص وإن رأى السجود من الصورة الإنسانية للصورة الأخرى الإلهية فيعلم عند ذلك أن الصورة الإنسانية الكاملة في مقام مشاهدة العين لا مشاهدة الصورة فيوافقها في السجود لها فإن رأى السجود من الصورة الإلهية للصورة الإنسانية هنالك من قوله هو الذي يصلي عليكم لم يوافقها في السجود فغن وافقها هلك بل من حصل في ذلك المقام يعرف الأمور على ما هي عليه فإنه يعلم أن الصلاة من الله على العبد الكامل لا للعبد الكامل والصلاة من العبد الكامل لله لا على الله ومن حصل له هذا الفرقان فقد جمع بين القرآن والفرقان وهذا مشهد عزيز ما رأيت له ذائقا وهو من أتم المعارف ولما نزل القرآن نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى قلوب التالين له دائما التي في صدورهم في داخل أجسامهم لا أعني اللطيفة الإنسانية التي لا تتحيز ولا تقبل الاتصاف بالدخول والخروج فيقوم للنفس الناطقة القلب الذي في الصدر ليصير لها مقام المصحف المكتوب للبصر فمن هناك تتلقاه النفس الناطقة وسبب ذلك أنه لما قام لها التفوق والفضل على الجسم المركب الكثيف بما أعطيته من تدبيره والتصرف فيه ورأته دونها في المرتبة لجهلها بما هو الأمر عليه وما علمت أنه من الأمور المتممة لكمالها فجعل الله القلب الذي في داخل الجسم في صدره مصحفا وكتابا مرقوما تنظر فيه النفس الناطقة فتتصف بالعلم وتتحلى به بحسب الآية التي تنظر فيها فتفتقر إلى هذا المحل لما تستفيده بسبه لكون الحق اتخذه محلا لكلامه ورقمه فيه فنزلت بهذا عن ذلك التفوق الذي كان قد أعجبت به وعرفت قدرها ورأت أن ذلك القلب مهبط الملائكة بالروح الذي هو كلام الله وما رأت تلك الملائكة النازلة تنظر إليها ولا تكلمها إنما ترقم في القلب ما تنزل به والنفس تقرأ ما نزل فيه مرقوما فتعلم في فهمها عن الله أن مراد الله بذلك تعليمها وتأديبها لما طرأ عليها من خلل العجب بنفسها فأقرت واعترفت بأن نسبة الله إلى كل شيء نسبة واحدة من غير تفاضل فلم تر لها تفوقا على شيء من المخلوقات من ملأ أعلى أو أدنى ولا تفضيل ولا ترجيح في العالم ولكن من حيث الدلالة ونسبة الحق لا من حيث هو العالم فإنه من حيث هو العالم يكون ترجيح بعضهم على بعض ويظهر فيه التفاوت فاعلم أن النفس الناطقة من الإنسان إذا أراد الله بها خيرا كشف لها عن نطق جميع أجزاء بدنها كلها بالتسبيح والثناء على الله بحمده لا بحمد من عندها ولا ترى فيهم فتورا ولا غفلة ولا اشتغالا ورأت ذاتها غافلة عما يجب لله تعالى عليها من الذكر مفرطة مشتغلة عن الله بأغراضها متوجهة نحو الأمور التي تحجبها عن الله والوقوف عند حدوده فيعظم العالم عندها وتعلم أنه شعائر الله التي يجب عليها تعظيمها وحرمات الله وتصغر عندها نفسها وتعلم أن لو تميزت عن جسمها ولم يكن جسمها من المتمات لها في نشأتها لعلمت أن الجسم ذلك المدبر لها أشرف منها فلما علمت أن ذلك الجسم أشرف منها علمت أن شرفه بما هو عليه من هذه الصفات هو عين شرفها وأنها ما أمرت بتدبيره واستخدمت في حقه وصيرت كالخديم له وتوجهت عليها الحقوق له من عينه وسمعه وغير ذلك إلا لشغله بالله وتسبيح خالقه فعلمت نفسها أنها مسخرة له فلو كانت هي من الاشتغال بالله في مثل هذا الاشتغال كان لها حكم جسمها ولو وكل الجسم لتدبير ذاته اشتغل عن التسبيح كما اشتغلت النفس الإنسانية وإذا علمت أنها مسخرة في حق جسمها عرفت قدرها وأنها في معرض المطالبة والمؤاخذة والسؤال والحساب فتعين عليها في دار التكليف أداء الحقوق الواجبة عليها لله وللعالم الخارج عنها ولنفسها بما يطلبه منها جسمها ولم تتفرغ مع هذا الاشتغال إلى رؤية الأفضلية ولا تشوفت لمعرفة المراتب وهذه المرتبة أعني مرتبة أداء الحقوق أشرف المراتب في حق الإنسان والخاسر من اشتغل عنها كما أن الرابح من اشتغل بها واعلم أن الله تعالى إذا ذكر لك شيئا بضمير الغائب فما هو غائب عنه وإنما راعى المخاطب وهو أنت والمذكور غائب عنك فإذا ذكره بضمير الحضور من إشارة إليه وغيرها فإنما راعاك ومراعاة شهوده لا بد منها في كل حال ولكن يفرق بين ما يحكيه الله من أقوال القائلين وبين الكلام الذي يقوله من عند نفسه فإذا كان الحق سمع العبد وبصره زالت الغيبة في حق العبد فما هو عند ذلك مخاطب بما فيه ضمير غائب وقد وجد الخطاب لمن هذه صفته بضمير الغائب فكيف الأمر قلنا لما كان العبد المنزل عليه القرآن مأمور بتبليغه إلى المكلفين وتبيينه للناس ما نزل إليهم ومن الأشياء ما هي مشهودة لهم وغائبة عنهم ولم يؤمر أن يحرف الكلم عن مواضعه بل يحكى عن الله كما حكى الله له قول القائلين وقولهم يتضمن الغيبة والحضور فما زاد على ما قالوه في حكايته عنهم وقيل له بلغ ما أنزل إليك فلم يعدل عن صورة ما أنزل إليه فقال ما قيل له فإنه ما نزلت المعاني على قلبه من غير تركيب هذه الحروف وترتيب هذه الكلمات ونظم هذه الآيات وإنشاء هذه السور المسمى هذا كله قرآنا فلما أقام الله نشأة القرآن صورة في نفسها أظهرها كما شاهدها فأبصرتها الأبصار في المصاحف وسمعتها الآذان من التالين وليس غير كلام الله هذا المسموع والمبصر وألحق الذم بمن حرفه بعد ما عقله وهو يعلم أنه كلام الله فأبقى صورته كما أنزلت عليه فلو بدل من ذلك شيئا وغير النشأة لبلغ إلينا صورة فهمه ولا صورة ما أنزل عليه فإنه لكل عين من الناس المنزل إليهم هذا القرآن نظر فيه فلو نقله إلينا على معنى ما فهم لما كان قرآنا أعني القرآن الذي أنزل عليه فإن فرضنا أنه قد علم جميع معانيه بحيث أنه لم يشذ عنه شيء من معانيه قلنا فإن علم ذلك وهذه الكلمات تدل على جميع تلك المعاني فلأي شيء يعدل وإن عدل إلى كلمات تساويها في جميع تلك المعاني فلا بد لتلك الكلمات التي يعدل إليها من حيث ما هي أعيان وجودية أعيان غير هذه الأعيان التي عدل عنها التي أنزلت عليه فلا بد أن تخالفها بما تعطيه من الزيادة من حيث أعيانها على ما جمعته من المعاني التي جمعتها الكلمات المنزلة فيزيد للناظر في القرآن معاني أعيان تلك الكلمات المعدول إليها وما أنزلها الله فيكون النبي قد بلغ للناس ما نزل إليهم وما لم ينزل إليهم فيزيدون في الحكم شرعا لم يأذن به الله كما أيضا ينقص مما أنزل الله أعيان تلك الكلمات التي عدل عنها فكان الرسول قد نقص من تبليغ ما أنزل إليه أعيان تلك الكلمات وحاشاه من ذلك فلم يكن ينبغي له إلا أن يبلغ إلى الناس ما نزل إليهم صورة مكملة من حيث الظاهر حروفها اللفظية والرقمية ومن حيث الباطن معانيها ولذلك كان جبريل في كل رمضان ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم يدارسه القرآن مرة واحدة فكانت له مع جبريل عليهما السلام في كل رمضان ختمة إلى أن جاء آخر رمضان شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم فدارسه جبريل مرتين في ذلك الرمضان فختم ختمتين فعلم أنه يموت في السنة الداخلة لا في سنة ذلك الرمضان فكانت الختمة الثانية لرمضان السنة التي مات فيها حتى تكون السنة له بعد موته فمات في ربيع الأول وكان نزول القرآن في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر فأتى بغاية أسماء العدد البسيط الذي لا اسم بعده بسيط إلا ما يتركب كما كان القرآن آخر كتاب أنزل من الله كما كان من أنزل عليه آخر الرسل وخاتمهم ثم أضاف ذلك الاسم الذي هو ألف إلى شهر بالتنكير فيدخل الفصول فيه والشهر العربي قدر قطع منازل درجات الفلك كله ليسير القمر الذي به يظهر الشهر فلو قال أزيد من ذلك لكرر ولا تكرار في الوجود بل هو خلق جديد ولو نقص بذكر الأيام أو الجمع لما استوفى قطع درجات الفلك فلم تكن تعم رسالته ولم يكن القرآن يعم جميع الكتب قبله لأنه ما ثم سير لكوكب يقطع الدرجات كلها في أصغر دورة إلا القمر الذي له الشهر العربي فلذلك نزل في ليلة هي خير من ألف شهر أي أفضل من ألف شهر والأفضل زيادة والزيادة عينها وجعل الأفضلية في القدر وهي المنزلة التي عند الله لذلك المذكور وكانت تلك الليلة المنزل فيها التي هي ليلة القدر موافقة ليلة النصف من شعبان فإنها ليلة تدور في السنة كلها وأما نحن فإنا رأيناها تدور في السنة وأنا رأيناها أيضا في شعبان ورأيناها في رمضان في كل وتر من شهر رمضان وفي ليلة الثامن عشر من شهر رمضان على حسب صيامنا في تلك السنة فأي ليلة شاء الله أن يجعلها محلا من ليالي السنة للقدر الذي به تسمى ليلة القدر جعل ذلك فإن كان ذلك من ليالي السنة ليلة لها خصوص فضل على غيرها من ليالي السنة كليلة الجمعة وليلة عرفة وليلة النصف من شعبان وغير تلك من الليالي المعروفة فينضاف خير تلك الليلة إلى فضل القدر فتكون ليلة القدر تفضل ليلة القدر في السنة التي لا ينضاف إليها فضل غيرها فاعلم ذلك ومن هذا المنزل نزل الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بسورتين سورة القدر وسورة الدخان وهما مختلفتان في الحكم فسورة القدر تجمع ما تفرقه سورة الدخان وسورة الدخان تفرق ما تجمعه سورة القدر فمن لا علم له بما شاهده يتخيل أن السورتين متقابلتان ولم يتفطن للمنزل الواحد الذي جمعهما ولم يتفطن لنشأته التي قامت من جمعها للمتقابلات الطبيعية وصاحب الكشف الصحيح إذا دخل هذا المنزل وكان له قلب وهو شهيد رأى أن سورة القدر لا تقابل بينها وبين سورة الدخان فإنه سورة القدر تجمع ما تعطيه سورة الدخان اتفرقه على المراتب فتأخذه سورة الدخان فتفرقه على المراتب لأنها علمت من سورة القدر أنها ما جمعت ذلك وأعطته إياها إلا لتفرقه فسورة القدر كالجابية لسورة الدخان هكذا هو الأمر وهما سورتان لهما عينان وسانان وشفتان تعرفان وتشهدان لمن دخ هذا المنزل بأنه من أهل المقام المحمود وأنه وارث مكمل ويتضمن هذا المنزل علم المطابقة والمناسبة والمراقبة وعلم التلويح والرمز وعلم النفوذ في الأمور من غير مشقة لأن النفوذ في الأمور بطريق الفكر من أعظم المشقات وعلم الإبانة والكشف وعلم المنشآت الطبيعية هل حكمها حكم النشآات العنصرية أم لا وعلم الفرق بين الأنوار والظلم ولماذا يرجع النور والظلمة وهما حجابان بين الله وعباده وما يلي العباد من هذه الحجب وما يلي الحق منها وهل ترفع لأحد أو لإنزال مسدلة وهل تعطى هذه الحجب تحديد المحجوب أم لا فإن أعطت التحديد للمحجوب قبأي نشأة تقيده وتحده هل بنشأة عنصرية أو طبيعية وإن لم تقيده فبماذا تلحقه هل بما لا يقبل التحيز من العالم فلا يتصف بالدخول في الأجسام ولا بالخروج منها أو تقضي عليه بحكم يخصه خارج عن حكم ما لا يتحيز فلا يقبل المكان ولا الحلول وعلم الرحمة التي يتضمنها الإنذار ممن كان وعلم الأذواق وعلم ما يشقي من الأسماء مما يسعد وعلم تعلم اليقين وعلم التنزيه في الربوبية وهو صعب التصور وعلم مرتبة العلم من مرتبة الشك خاصة وما تعطي كل مرتبة منهما لمن حل فيها ونزل بها وعلم العذاب أهو من علم الآلام أو هو من علم اللذات وعلم عدم قبول التوبة عند حلول البأس وقبولها من قوم يونس خاصة وعلم نفوذ قضاء السوابق هل تنفذ بالشر على من هو على بصيرة أو هل هو مختص بالمحجوبين وعلم طبقات العذاب وعلم الابتلاء وطبقاته وعلم النصائح وعلم أهل العناية عند الله مع شمول الرحمة للجميع وقد ابتلوا أهل العناية في الدنيا بما به ابتلي من ليس منهم في الآخرة ولماذا ترجع عناية الله بأهله مع الابتلاء والبلاء هل لاقتضاء الدارين أو لاقتضاء سابق العلم وعلم وجود الحق بوجوهه في كل فرد فرد من العالم كله وعلم توقيت الجمع الأخير من الجموع الثلاثة وعلم الاستثناء لماذا يرجع وعلم أين يذهب الجهل والظن والشك والعلم بأصحابهم وعلم تقدم الموت على الحياة ومعلوم أن الموت لا يكون إلا عن حياة وعلوم هذا المنزل كثيرة فقصدنا منها إلى التعريف بالأهم من ذلك مما تتعلق السعادة بالعلم به وإن كان العلم كله عين السعادة لكن في العموم ليست السعادة إلا حصول اللذات ونيل الأغراض والفوز من الآلام والله يقول الحق وهو يهدي السبيلة وعلم نفوذ قضاء السوابق هل تنفذ بالشر على من هو على بصيرة أو هل هو مختص بالمحجوبين وعلم طبقات العذاب وعلم الابتلاء وطبقاته وعلم النصائح وعلم أهل العناية عند الله مع شمول الرحمة للجميع وقد ابتلوا أهل العناية في الدنيا بما به ابتلي من ليس منهم في الآخرة ولماذا ترجع عناية الله بأهله مع الابتلاء والبلاء هل لاقتضاء الدارين أو لاقتضاء سابق العلم وعلم وجود الحق بوجوهه في كل فرد فرد من العالم كله وعلم توقيت الجمع الأخير من الجموع الثلاثة وعلم الاستثناء لماذا يرجع وعلم أين يذهب الجهل والظن والشك والعلم بأصحابهم وعلم تقدم الموت على الحياة ومعلوم أن الموت لا يكون إلا عن حياة وعلوم هذا المنزل كثيرة فقصدنا منها إلى التعريف بالأهم من ذلك مما تتعلق السعادة بالعلم به وإن كان العلم كله عين السعادة لكن في العموم ليست السعادة إلا حصول اللذات ونيل الأغراض والفوز من الآلام والله يقول الحق وهو يهدي السبيل $ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة

في معرفة منزل التقليد في الأسرار

في كل حكم من الأحكام تقليد . . . وفيه سلطنة فينا وتأييد

لولاه ما كان لي في علمنا قدم . . . به ولا كان تنزيل وتوحيد

إن الخلافة تقليد وسلطنة . . . فهي الإمام الذي للحق مشهود

هي الأمانة ما ينفك صاحبها . . . في طاعة وهو عند الله محمود

صفحہ 157