فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
وما على نفس ترى . . . فيه الهلاك من حرج اعلم أن الغيب ظرف لعالم الشهادة وعالم الشهادة هنا كل موجود سوى الله تعالى مما وجد ولم يوجد أو وجد ثم رد إلى الغيب كالصور والأعراض وهو مشهود لله تعالى ولهذا قلنا أنه عالم الشهادة ولا يزال الحق سبحانه يخرج العالم من الغيب شيئا بعد شيء إلا ما لا يتناهى عددا من أشخاص الأجناس والأنواع ومنها ما يرده إلى غيبه ومنها ما لا يرده أبدا فالذي لا يرده أبدا إلى الغيب كل ذات قائمة بنفسها وليس إلا الجواهر خاصة وكل ما عدا الجواهر من الأجسام والأعراض الكونية واللونية فإنها ترد إلى الغيب ويبرز أمثالها والله يخرجها من الغيب إلى شهادتها أنفسها فهو عالم الغيب والشهادة والأشياء في الغيب لا كمية لها إذا الكمية تقتضي الحصر فيقال كم كذا وكذا وهذا لا ينطلق عليها في الغيب فإنها غير متناهية فكم وكيف والأين والزمان والوضع والإضافة والعرض وإن يفعل وإن ينفعل كل ذلك نسب لا أعيان لها فيظهر حكمها بظهور الجوهر لنفسه إذا أبرزه الحق من غيبه فإذا ظهرت أعين الجواهر تبعتها هذه النسب فقيل كم عين ظهرت فقيل عشرة أو أكثر أو أقل فقيل كيف هي فقيل مؤلفة فعرض لها الجسمية فصحت الكيفية بالجسمية وحلول الكون واللون فقيل أين فقيل في الحيز أو المكان فقيل متى فقيل حين كان كذا في صورة كذا فقيل ما لسانه فقيل أعجمي أو عربي فقيل ما دينه فقيل شريعة كذا فقيل هل ظهر منه ما يكون من ظهور آباء كما ظهر هو من غيره فقيل هو ابن فلان قيل ما فعل قيل أكل قيل ما انفعل عن أكله قيل شبع فهذه جملة النسب التي تعرض للجواهر إذا أخرجها الله من غيبه فليس في الوجود المحدث إلا أعيان الجوهر والنسب التي تتبعه فكان الغيب بما فيه كأنه يحوي على صورة مطابقة لعالمه إذ كان علمه بنفسه علمه بالعالم فبرز العالم على صورة العالم من كونه عالما به فصورته من الجوهر ذاته ومن الكم عدد أسمائه ومن الكيف قوله كل يوم هو في شأن وسنفرغ لكم أيها الثقلان والرحمن على العرش استوى وأمثال هذا فيما أخبر به عن نفسه كثير والأين كان الله في عماء وهو الله في السماء والزمان كان الله في الأزل والوضع وكلم الله موسى تكليما فأجره حتى يسمع كلام الله فجميع الشرائع وضعه والإضافة خالق الخلق مالك الملك وأن يفعل بيده الميزان يخفض القسط ويرفعه وأن ينفعل يدعى فيجيب ويسأل فيعطى ويستغفر فيغفر وهذه كلها صورة العالم وكل ما سوى الله قد طهر على صورة موجده فما أظهر إلا نفسه فالعالم مظهر الحق على الكمال فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم اذ ليس أكمل من الحق تعالى فلو كان في الإمكان أكمل من هذا العالم لكان ثم من هو أكمل من موجده وما ثم إلا الله فليس في الإمكان إلا مثل ما ظهر لا أكمل منه فتدبر ما قلته فهو لباب المعرفة بالله ثم أن الله اختصر من هذا العالم مختصرا مجموعا يحوي على معانيه كلها من أكمل الوجوه سماه آدم وقال أنه خلقه على صورته فالإنسان مجموع العالم وهو الإنسان الصغير والعالم الإنسان الكبير أوسم الإنسان العالم الصغير كيفما شئت إذا عرفت الأمر كما هو عليه في نفسه وعينه فانسب إليه واصطلح كما تريد فلا فضل للإنسان على العالم بجملته والعالم أفضل من الإنسان لأنه يزيد عليه درجة وهي أن الإنسان وجد عن العالم الكبير فله عليه درجة السببية لأنه عنه تولد قال تعالى وللرجال عليهن درجة لأن حواء صدرت من آدم فلم تزل الدرجة تصحبه عليها في الذكورة على الأنوثة وإن كانت الأم سببا في وجود الابن فابنها يزيد عليها بدرجة الذكورة لأنه أشبه أباه من جميع الوجوه فوجب على الإنسان تعظيم أبويه فأمه العالم بأسره وأبوه معروف غير منكور والنكاح التوجه فخرج الولد على صورة أبويه ولما كان الولد لا يدعى إلا لأبيه لا ينسب إلى أمه لأن الأب له الدرجة وله العلو فينسب إلى الأشرف ولما لم يتمكن لعيسى عليه السلام أن ينسب إلى من وهبه لها بشرا سويا أعطيت أمه الكمال وهو المقام الأشرف فنسب عيسى إليها فقيل عيسى ابن مريم فكان لها هذا الشرف بالكمال مقام الدرجة التي شرف بها الرجال على النساء فنسب الابن إلى أبيه لأجلها وكمال مريم شهد لها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولآسية امرأة فرعون فأما كمال آسية فلشرف المقام الذي ادعاه فرعون فلم يكن ينبغي لذلك المقام أن يكون العرش الذي يستوي عليه إلا موصوفا بالكمال فحصل لآسية الكمال بشرف المقام الذي شقي به فرعون ولحق بالخسران المبين وفازت امرأته بالسعادة ولشرف المقام الذي حصل لها به الكمال قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فما أنطقها إلا قوة المقام بعندك ولم تطلب مجاورة موسى ولاحد من المخلوقين ولم يكن ينبغي لها ذلك فإن الحال يغلب عليها فإن الكامل لا يكون تحت الكامل فإن التحتية نزول درجة ولما كان كمال مريم بعيسى في نسبته إليها لم تقل ما قالت آسية آسية تقول نجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين حتى لا تنتهك حرمة النسبة ومريم تقول يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا وهي بريئة في نفس الأمر عند الله فما قالت ذلك من أجل الله كما قالت آسية عندك فقدمته وطلبت جواره والعصمة من أيدي عداته ولكن قالت ذلك مريم حياء من الناس لما علمته من طهارة بيتها وآبائها فخافت من إلحاق العار بهم من أجلها ولما ذكرنا أن العالم كان مستورا في غيب الله وكان ذلك الغيب بمنزلة الظل للشخص فلو سلخ من الظل جميعه أمر ما لخرج على صورة الظل والظل على صورة ما هو ظل له فالخارج من الظل المسلوخ منه على صورة الشخص ألا ترى النهار لما سلخ من الليل ظهر نورا فظهرت الأشياء التي كانت مستورة بالليل ظهرت بنور النهار فلم يشبه النهار الليل وأشبه النور في ظهور الأشياء به فالليل كان ظل النور والنهار خرج لما سلخ من الليل على صورة النور كذلك العالم في خروجه من الغيب خرج على صورة العالم بالغيب كما قررناه فقد تبين لك من العلم بالله من هذا المقام ما فيه كفاية إن عرفت قدره فلا تكونن من الجاهلين وأما مسألة روح صورة هذا العالم وأرواح صور العالم العلوي والسفلي فها أنا أبسطها لك في هذه المسألة من هذا المنزل في الدرجة الثامنة منه فإن هذا المنزل يحوي على سبعة عشر صنفا من العلم هذا أحدها فنقول أن روح العالم الكبير هو الغيب الذي خرج عنه فافهم ويكفيك أنه المظهر إلا كبر الأعلى أن عقلت وعرفت قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وبعد أن بان لك روح العالم الكبير فبقي لك أن تعلم أرواح صور العالم هل هي موجودة عن صورة أو قبلها أو معها ومنزلة الأرواح من صور العالم كمنزلة أرواح صور أعضاء الإنسان الصغير كالقدرة روح اليد والسمع روح الأذن والبصر روح العين فاعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة على ما ذكرنا تفصيله والتحقيق في ذلك عندنا أن الأرواح المديرة للصور كانت موجودة في حضرة الإجمال غير مفصلة لأعيانها مفصلة عند الله في علمه فكانت في حضرة الإجمال كالحروف الموجودة بالقوة في المداد فلم تتميز لأنفسها وإن كانت متميزة عند الله مفصلة في حال إجمالها فإذا كتب القلم في اللوح ظهر صور الحروف مفصلة بعدما كانت مجملة في المداد فقيل هذا ألف وباء وجيم ودال في البسائط وهي أرواح البسائط وقيل هذا قام وهذا زيد وهذا خرج وهذا عمرو وهي أرواح الأجسام المركبة ولما سوى الله صور العالم أي عالم شاء كان الروح الكل كالقلم واليمين الكاتبة والأرواح كالمداد في القلم والصور كمنازل الحروف في اللوح فنفخ الروح في صور العالم فظهرت الأرواح متميزة بصورها فقيل هذا زيد وهذا عمرو وهذا فرس وهذا فيل وهذه حية وكل ذي روح وما ثم إلا ذو روح لكنه مدرك وغير مدرك فمن الناس من قال أن الأرواح في أصل وجودها متولدة من مزاج الصورة ومن الناس من منع من ذلك ولكل واحد وجه يستند إليه في ذلك والطريقة الوسطى ما ذهبنا إليه وهو قوله ثم أنشأنا خلقا آخر وإذا سوى الله الصور الجسمية ففي أية صورة شاء من الصور الروحية ركبها إن شاء في صورة خنزير أو كلب أو إنسان أو فرس على ما قدره العزيز العليم فثم شخص الغالب عليه البلادة والبهيمية فروحه روح حمار وبه يدعى إذا ظهر حكم ذلك الروح فيقال فلان حمار وكذلك كل صفة تدعى إلى كتابها فيقال فلان كلب وفلان أسد وفلان إنسان وهو أكمل الصفات وأكمل الأرواح قال تعالى الذي خلقك فسواك فعدلك وتمت النشأة الظاهرة للبصر في أي صورة ما شاء ركبك من صور الأرواح فتنسب إليها كما ذكرنا وهي معينة عند الله فامتازت الأرواح بصورها ثم إنه إذا فارقت هذه المواد فطائفة من أصحابنا تقول أن الأرواح تتجرد عن المواد تجردا كليا وتعود إلى أصلها كما تعود شعاعات الشمس المتولدة عن الجسم الصقيل إذا صدئ إلى الشمس واختلفوا هنا على طريقين فطائفة قالت لا تمتاز بعد المفارقة لأنفسها كما لا يمتاز ماء الأوعية التي على شاطئ النهر إذا تكسرت فرجع ماؤها إلى النهر فالأجسام تلك الأوعية والماء الذي ملئت به من ذلك النهر كالأرواح من الروح الكل وقالت طائفة بل تكتسب بمجاورتها الجسم هيئات رديئة وحسنة فتمتاز بتلك الهيآت إذا فارقت الأجسام كما أن ذلك الماء إذا كان في الأوعية أمور تغيره عن حالته إما في لونه أو رائحته أو طعمه فإذا فارق الأوعية صحبه في ذاته ما اكتسبه من الرائحة أو الطعم أو اللون وحفظ الله عليها تلك الهيآت المكتسبة ووافقوا في ذلك بعض الحكماء وطائفة قالت الأرواح المدبرة لا تزال مدبرة في عالم الدنيا فإذا انتقلت إلى البرزخ دبرت أجسادا برزخية وهي الصورة التي برى الإنسان نفسه فيها في النوم وكذلك هو الموت وهو المعبر عنه بالصور ثم تبعث يوم القيامة في الأجسام الطبيعية كما كانت في الدنيا وإلى هنا انتهى خلاف أصحابنا في الأرواح بعد المفارقة وأما اختلاف غير أصحابنا في ذلك فكثير وليس مقصودا إيراد كلام من ليس من طريقنا واعلم يا أخي تولاك الله برحمته أن الجنة التي يصل إليها من هو من أهلها في الآخرة هي مشهودة اليوم لك من حيث محلها لا من حيث صورتها فأنت فيها تتقلب على الحال التي أنت عليها ولا تعلم أنك فيها فإن الصورة تحجبك التي تجلت لك فيها فأهل الكشف الذين أدركوا ما غاب عنه الناس يرون ذلك المحل إن كان جنة روضة خضراء وإن كان جهنما يرونها بحسب ما يكون فيه من نعوت زمهريرها وحرورها وما أعد الله فيها وأكثر أهل الكشف في ابتداء الطريق يرون هذا وقد نبه الشرع على ذلك بقوله بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة فأهل الكشف يرونها روضة كما قال ويرون نهر النيل والفرات وسيحان وجيحان نهر عسل وماء وخمر ولبن كما هو في الجنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأنهار من الجنة ومن لم يكشف الله عن بصره بقي في عمى حجابه لا يدرك ذلك مثل الأعمى يكون في بستان فما هو غائب عنه بذاته ولا يراه فلم يلزم من كونه لا يراه أنه لا يكون فيه بل هو فيه وكذلك تلك الأماكن التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها من النار كبطن محسر بمنى وغيره ولهذا شرع الإسراع في الخروج عنه لأمته فإنه صلى الله عليه وسلم يرى ما لا يرون ويشهد ما لا يشهدون ومن الناس من يستصحبه هذا الكشف ومنهم من لا يستصحبه على ما قد أراده الله من ذلك لحكمة أخفاها في خلقه ألا ترى أهل الورع إذا حماهم الله عن أكل الحرام من بعض علاماته عندهم أن يتغير في نظره ذلك المطعوم إلى صورة محرمة عليه فيراه دما أو خنزيرا مثلا فيمتنع من أكله فإذا بحث عن كسب ذلك الطعام وجده مكتسبا على غير الطريقة المشروعة في اكتسابه فلأهل الله تعالى أعين يبصرون بها وآذان يسمعون بها وقلوب يعقلون بها وألسنة يتكلمون بها غير ما هي هذه الأعين والآذان والقلوب والألسنة عليه من الصورة فبتلك الأعين يشهدون وبتلك الآذان يسمعون وبتلك القلوب يعقلون وبتلك الألسنة يتكلمون فكلامهم مصيب فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور عن الحق والأخذ به صم بكم عمي فهم لا يعقلون عن الله فهم لا يرجعون إلى الله و والله أن عيونهم لفي وجوههم وأن سمعهم لفي آذانهم وأن ألسنتهم لفي أفواههم ولكن العناية ما سبقت لهم ولا الحسنى فالحمد لله شكرا حيث حيانا بتلك القلوب والألسن والآذان والأعين ولقد ورد في حديث نبوي عند أهل الكشف صحيح وإن لم يثبت طريقه عند أهل النقل لضعف الراوي ولو صدق فيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا تزييد في حديثكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع قال الله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم وأكثر من هذا البيان الصريح ما يكون لكن أين من يفرغ محله لآثار ربه أين من ينقل ما يسمع من غير زيادة فيه هذا قليل جدا والله ولي التوفيق واعلم أن هذا المنزل يتضمن علم التحليل وعلم ما يحصل لأهل النار في النار من العلوم إذا دخلوها وعلم ما يعطيه عالم الطبيعة من الأسرار الإلهية التي لا تعلم من غيره وعلم السابقة اللاحقة وهي العاقبة وعلم تركيب البراهين الوجودية وعلم الإيجاد الروحاني والصوري وعلم السبب المؤدي إلى الشقاء وعلم ما يبقى به نظام العالم وحفظ صورته عليه وعلم التجلي في الحجاب وعلم الأحكام الإلهية على غير طريق الشارع وعلم توحيد الأفعال وعلم إلحاق الأعالي بالأسافل والأسافل بالأعالي وهو أو قريب منه علم التحام الأباعد بالأداني والأداني بالأباعد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . في الحجاب وعلم الأحكام الإلهية على غير طريق الشارع وعلم توحيد الأفعال وعلم إلحاق الأعالي بالأسافل والأسافل بالأعالي وهو أو قريب منه علم التحام الأباعد بالأداني والأداني بالأباعد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيلي من الحضرة
المحمدية
للشمس في الفلك الأقصى علامات . . . يدري بذلك أقوام إذا ماتوا
تسري به أنفس مثلي مطهرة . . . لا تنجلي لهم إلا إذا باتوا
من الخمور سكارى في محاربهم . . . وما لهم في وجود السكرنيات
صفحہ 16