في تحديث الثقافة العربية
في تحديث الثقافة العربية
اصناف
على أن الذي هو جدير بالنظر حقا في هذا المجال، هو التأكيد بأن الدعوة في حياتنا الثقافية إلى أصالة ومعاصرة معا، هي ألا يكون المعنى المقصود مجرد الجمع بين هذين الجانبين في رأس واحد، فإذا فتح باب التراث وجد ذلك الرأس ما يصدمه، وإذا فتح باب المعاصرة كان عنده ما يحكيه، كلا، بل المراد إيجاد صيغة عربية موحدة، تغطي مجال الحياة الجديدة، التي هي - أو يجب أن تكون - حياة عربية وحياة مهمومة بهموم عصرها في آن واحد، وهي صيغة تحققت بالفعل في أفراد، لكنها لم تصبح بعد رؤية شعبية، بحيث تتمثل في كل فرد من أفراد الشعب، مع تفاوت الدرجات بين الأفراد، كما هي متفاوتة بالفعل في نواح أخرى كثيرة. ولا أريد لهذا السياق من الحديث أن ينتهي قبل أن أثبت دهشتي من رأي نشره واحد من أصحاب الرأي فينا، يقول به عن الدعوة إلى صيغة تجمع الأصالة مع المعاصرة، إنما هي دعوة رجعية؛ لأن الذي نريده هو معاصرة فقط. سبحان الله! وما شاء الله! يا أخانا: ولماذا لم يقل هذا القول فرنسي أو بريطاني أو روسي أو ما شئت من بلاد الله التي هي في مقدمة العصر؟ لماذا حرص كل واحد من هؤلاء على أن يكون هو العصر مع بقائه على هويته المتميزة؟ فالفرنسي يظل فرنسيا بما يميزه والبريطاني يظل بريطانيا بما يميزه وهكذا؟
وإن هذا ليفتح أمامنا بابا واسعا يدخلنا إلى موضوع لم يتنبه العالم على أهمية النظر فيه، بمثل ما تنبه على ذلك بعد الحرب العالمية الثانية حين ظفرت الشعوب بحريتها واستقلالها، في إفريقيا وفي آسيا بصفة خاصة، وهو موضوع تعدد الثقافات؛ فبعد أن كان الرأي قبل ذلك، هو أن الدنيا ليس فيها ما يستحق البقاء إلا ثقافة واحدة، هي ثقافة أوربا في مجمل صورتها المشتركة بين مختلف البلاد الأوروبية، وعلى بقية العالم أن تحاول النقل منها، فيصبح الفرد أو الشعب المعين مثقفا بمقدار ما اقترب من النموذج الأوروبي، فلما انتهت الحرب العالمية الثانية ودخلت الشعوب المغلوبة على أمرها، في حياة جديدة من استقلال وما يتبعه من حقوق الإنسان؛ سرعان ما شاع في الناس مبدأ جديد، هو أن لكل ثقافة الحق في الوجود، مساوية في ذلك أي ثقافة أخرى، إلا أن هذا التعدد الثقافي لا يغلق الأبواب دون التفاعل بين الثقافات، وهي أبواب لبثت مفتوحة أمام الجميع في كل مراحل التاريخ، فما الذي يوصدها اليوم في وجوه الناس؟ وبهذا التفاعل، وما يشتمل عليه من أخذ وعطاء، يمكن لأي ثقافة أن تضيف إلى جسدها عروقا جديدة بمحض اختيارها، بحيث لا يكون في الأمر غزو ثقافي ولا غزاة.
إنه لا وضع لشاك ليشك في أن الحياة الثقافية لشعب من الشعوب، تعلو وتهبط مع سائر جوانب الحياة لذلك الشعب علوا وهبوطا، تلك حقيقة تلزم لزوما مباشرا، من قولنا إن ثقافة الإنسان هي محصلة نشأته وتربيته، بحيث تصبح له وكأنها هي دفة السفينة في مسالك حياته العملية؛ فإذا اختلف الأفراد، أو اختلفت الشعوب في ردود أفعالها إزاء الحادثة المعينة الواحدة، فذلك لأن كلا منهم أو منها، موجه بثقافته، ولا أظننا نخطئ إذا قلنا إن تلك المحصلة الثقافية الموجهة لصاحبها، إنما هي جزء من الضمير؛ إذ الضمير ما هو إلا الرواسب المضمرات في النفس، نتيجة لخبرات الإنسان التي يجمعها منذ طفولته الباكرة عما هو صواب فيثاب أو خطأ فيعاقب.
وإذا كان ذلك كذلك؛ كان من حقنا أن نستخلص نتيجة عن الثقافة العربية، لماذا كانت حافزة إلى قوة الإيمان، وقوة العلم ، وقوة السيطرة وغيرها من ضروب القوة، حين كانت الأمة العربية قوية بالنسبة إلى غيرها من الأمم، ولقد دامت لها تلك القوة - بصفة عامة - حتى القرن الخامس عشر الميلادي (التاسع الهجري)، ثم لماذا ضعفت تلك الثقافة من حيث ارتفاعها بحامليها، منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا، وهي نفسها الفترة التي شهدت انحدار الأمة العربية في مكانتها بالنسبة إلى غيرها، وإلى شعوب أوربا بصفة خاصة؟ أليست العلاقة السببية واضحة في كلتا الحالتين، بين الشعب وثقافته قوة وضعفا؟ وإننا لنسأل هنا سؤالا ينبعث من هذا الذي نقوله عن ضعف الثقافة العربية في تاريخها الحديث، وهو: ما الذي تكسبه تلك الثقافة من تفاعلها مع ثقافة عصرها تفاعلا حيا؟ وجواب ذلك يتضمن في ما يتضمنه نقطة نراها ثورية وجوهرية، وهي أن علة كبرى من العلل التي أضعفت الأمة العربية وثقافتها معا، هي أنه أحدثت لنفسها عزلة عن دنيا الواقع، وتقوقعت في ماضيها الثقافي الموروث، مكتفية به، فأدخلت نفسها بهذا في عالم من صفحات مرقومة بكلمات، والعلماء في هذه الحالة هم من حفظوا ذلك المرقوم على الورق. ولما كان الواقع الصلب العنيد لا ينتمي أمام كلمات كتبها كاتبوها في كتب، بل سيحتاج إلى من يتصل به اتصالا مباشرا يعالجه بما تقتضيه صلابة الحجر والحديد؛ فقد أصبحت الثقافة العربية وحاملوها غير ذوي أثر في مجرى الأحداث، وركبت الجواد وأمسكت بعنانه أمم أخرى تقيم حياتها وعلمها وعملها على أساس الوقائع المرئية المسموعة والملموسة، فكان لها العلم وكانت لها الصناعة، والقوة في الحرب، والسيادة في السلام، فإذا نحن تفاعلت ثقافتنا بثقافتهم؛ فالأرجح أن ينتقل إلينا شيء من تلك النظرة الواقعية، التي تخرجنا من صوامع الحروف والكلمات، فنستعيد شعاعا من مجدنا الماضي، نستعيده علما وعملا، وريادة ومكانة، وليس جعجعة وصخبا يثيران الضحك عند من أراد أن يضحك، والبكاء عند من تضطره حسرته على نفسه أن يبكي.
إنه لا خوف على هويتنا من مثل هذا التفاعل الإيجابي الحي؛ فالورد يظل وردا رغم ما يدخل عليه علماء النبات من عوامل تحدث فيه خصائص جديدة لم تكن فيه، والجياد الكريمة تظل جيادا كريمة إذا ما أدخل علماء الحيوان تحسينات في نسلها، وقد يعجب منا قارئ، متسائلا: أليس لدينا علماء يتابعون العلم الجديد خطوة خطوة؟ أليس فينا الأطباء البارعون والمهندسون المهرة؟ أليس منا كذا؟ وأليس منا كيت؟ مما يقرب الشبه بيننا وبين رواد الحضارة العصرية؟ نعم لنا كل ذلك، ولكنه كله يدور بنا في وعاء من ثقافة مريضة، فينتج عن هذه الازدواجية الغريبة أن تكون لنا واجهة لا تخلو من ملامح العصر، ووراء الواجهة عقول ما زالت تقتات جميع زادها بين صفحات القدماء، فأما الواجهة فنحن فيها مقلدون تقليدا ظاهرا بغير قلب، وأما فيما وراء الواجهة فنحن فيه مقلدون للسلف بكل قلوبنا، ومن هذا كله نشأت ثقافة عربية شائهة الملامح، بردت حرارة الحياة في عروقها.
تخليص وتلخيص (2)
الفرق واضح بين مجموعة الناس في مطار، ومجموعتهم في مسرح؛ فالمجموعة الأولى، وإن تكن فكرة السفر تربطهم، فإن أهداف السفر عندهم متفرقة؛ فلا يدري أحد منهم عن أحد إلى أين وجهته، وأما المجموعة الثانية، فهي وإن يكن أفرادها قد جاءوا من مصادر متفرقة، لا يعرف جار عن جاره شيئا، فإنهم يتجهون جميعا بأبصارهم، وعقولهم وقلوبهم إلى هدف واحد، وهو تتابع الأحداث على خشبة المسرح؛ في المجموعة الأولى كثرة من أفراد لا يتكون منهم كيان عضوي، وتعريف الكيان العضوي الذي يضم عدة أعضاء مختلفة الوظائف هو أن تلك الأعضاء تتكامل بعضها مع بعض؛ كي تحقق معا وجودا واحدا، كما هي الحال في أعضاء الكائن الحي. ولأن صفة «العضوية» غائبة في المجموعة الأولى؛ فالهدف عند أحد المسافرين لا يرتبط بالضرورة بالهدف عند مسافر آخر. وأما في المجموعة الثانية؛ فالمشاركة بينها في هدف واحد يصبغ عليها صفة من صفات الكائن العضوي، وإن يكن لا يزال تنقصها صفات أخرى مما هو قائم في الكائن العضوي الذي هو في مرتبة من «العضوية» أعلى، كالإنسان مثلا في مجموعة أعضائه؛ وذلك لأن الكائن العضوي الأعلى يتميز بأن وجود عضو من أعضائه معتمد في أدائه لوظيفته، على وجود الأعضاء الأخرى. وأما رواد المسرح؛ فهم رغم اتفاقهم في الهدف وفي التوجه نحو ذلك الهدف، فوجود أي منهم ليس متوقفا على وجود الآخر.
وهذه المقارنة بين المجموعتين تصور لنا فرقا من الفروق التي تختلف بها ثقافة قد اكتملت في بنائها، والاكتمال هنا درجاته نسبية بالطبع، بالنسبة إلى ثقافة أخرى لشعب آخر، انعدم فيها التوحد الذي يكفل لها شيئا من صفات التكامل العضوي، أو أن ذلك التوحد قد ضؤل حجمه حتى كاد ينعدم، ففي الحالة الأولى - حيث يتكامل البناء - تجد القنوات الثقافية على كثرتها وتنوعها قد استهدفت كلها هدفا واحدا مضمرا في حياة الناس، وفي أفكارهم ومشاعرهم. وأما في الحالة الثانية - حيث التشتت والتنافر - تتقاطع الأهداف، حتى ليتعذر على من أراد أن يعرف عن الشعب أين يتجه أن يتبين صفة تحقق له ما أراد؛ لأن الحياة الثقافية في هذه الحالة تكون أقرب شيء إلى برج بابل كثرت فيه الألسنة فاستحال التفاهم.
فأول شرط يفرضه العقل لصحة الحياة الثقافية في شعب معين، أو في عصر من عصور التاريخ؛ هو أن نجد في تلك الحياة الثقافية السليمة نقطة التقاء تكون هي الهدف المشترك الذي يسعى إليه مبدعو الثقافة على اختلاف قنواتهم؛ إنه هدف توحي به آمال الشعب والأمة. ولما كان مبدع الثقافة في لون من ألوانها هو أحد أفراد ذلك الشعب، تميز بموهبة تعينه على الملاحظة النافذة إلى صميم الحقائق والطبائع؛ فإنه كغيره من المواطنين يحس تلك الآلام والآمال، ثم يزيد على غيره من المواطنين بالقدرة على الرؤية ثم على صياغة ما قد رآه، بالوسيط الذي هو موهوب فيه، فالألحان للموسيقى، والكلمات للشاعر، والألوان للمصور، وهكذا، إنه هدف لا تصدر به الأوامر السلطانية، كلا، ولا هو مما يقحم على الناس إقحاما؛ ولو أن قوة خارجية أرغمت جماعة من الناس على التزام غاية بعينها، ليست هي الغاية التي تحقق آمالها وتعالج لها آلامها؛ لكان ذلك هو الغزو الثقافي الذي يتحدثون عنه، وموضع «الغزو» هنا هو «الإلزام» بشيء مقحم على ما تضطرم به صدور الناس، أما أن يتولى المبدعون في أمة إبداع الأشكال التي يطالعها الناس فيطالعون أمانيهم ومخاوفهم وجوانب النقص فيهم وجوانب النضج والكمال؛ فذلك هو الإبداع الصحيح كثقافة جيدة وسليمة، حتى لو حدث أن تأثر المبدع بتيارات في الفكر أو في الفن والأدب ظهرت عند شعوب أخرى، وصح لها أن تتفاعل مع جذور الثقافة المحلية؛ لينتج ذلك التفاعل بنيانا أقوى وأعتى مما كان معهودا للناس من قبل.
ثقافة الشعب المعين، في العصر المعين، لا يستقيم لها بناء إلا إذا أضمرت في ثناياها هدفا مشتركا يستهدفه كل مبدع في أي مجال من عالم الفن والأدب، والفلسفة والفكر، وغير ذلك مما ينتجه المبدعون، فيتلقاه من يتلقاه؛ ليشعر بالطمأنينة والرضا إن رأى مكنون نفسه قد وجد طريقه إلى الظهور، أو يتلقاه في شيء من القلق؛ إذ يرى بين يديه ناتجا غريبا عنه. ووحدانية الهدف - إن وجدت - تخلع طابعها على عصرها؛ حتى ليطلق على ذلك العصر اسمه ليتميز به دون سوابقه ولواحقه؛ فطابع القرن الرابع الهجري في الثقافة العربية الإسلامية كان هو النزعة الإنسانية التي عنيت بالإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن عرقه وعقيدته؛ فلم يكن ثمة من بأس على كاتب أو شاعر أن يأخذ بعض أفكاره من اليونان أو من الهند أو من غيرهما، ليسلك تلك الأفكار في عمله وكأنه هو منشئها وصاحبها، ولولا هذا الأفق الرحب؛ لما رأينا إخوان الصفا يجمعون في رسائلهم ما يصور الثقافة الإنسانية بكل جوانبها، كما عرفتها الإنسانية حتى ذلك التاريخ، ثم لما رأيناهم في مستهل تلك الرسائل يقدمون رأيهم بوحدة الديانات. وانتقل معي بذاكرتك إلى أوربا في القرن السابع عشر، وهو ما يسمونه بعصر العقل؛ لترى كيف علت ضوابط العقل على كل ناحية من الحياة الثقافية، ففي الفلسفة كان ديكارت، وفي العلم كان نيوتن، وفي المسرحية الشعرية كان راسين الذي يلتزم دقة البناء الشعري وكأنه يعالج نظرية هندسية، وفي العمارة كانت استقامة الخطوط، وهكذا. ولماذا بلغت مراعاة المبدعين لضوابط العقل إبان ذلك القرن؟ كان ذلك ليجيء الرد على العصور الوسطى حاسما؛ إذ كان لإيمان القلب في تلك العصور طغيان واضح على العقل وضوابط منطقه.
نامعلوم صفحہ