18
ولقد أعجب روسو أيما إعجاب بفرقة إيطالية للأوبرا كانت تؤدي أوبرا برجوليزي البهيجة «السيدة الخادم
La Serva
» في باريس عام 1752م، وقد قوبلت هذه الفرقة بحماسة تناظر تلك التي قوبلت بها «أوبرا الشحاذ» في إنجلترا. غير أن أنصار الأوبرا الجادة لم يروا في هذا العمل المرح إلا تجديفا وجريا على عادة الفرنسيين في مثل هذه الأحوال؛ فقد انقسم محبو الموسيقى في فرنسا إلى معسكرين حول هذه المسألة؛ فهناك المعجبون ب «السيدة الخادم» وهؤلاء أطلق عليهم «أنصار التهريج
buffonistes » وأنصار الأوبرا الجادة، وهؤلاء سموا بأعداء التهريجيين. وقد دافع روسو عن وجهة نظر «التهريجيين» في كتاباته وفي نشاطه الموسيقي الخاص. وعلى الرغم من أنه لم يتلق تعليما موسيقيا فنيا، فإن هذا لم يحل دون تأليفه أوبرا هزيلة على نص فرنسي، هي «عراف القرية
Le Devin du Village » (1752م)، وفيها حاول أن يطبق مبادئ الأوبرا الهزلية «البوفا» الإيطالية.
وكان روسو يرى أن اللحن هو أهم ما في الموسيقى. وعلى حين أن رامو كان يستمد ألحانه من التتابعات الهارمونية، فإن روسو قد أكد أن الهارمونيا لا معنى له بدون اللحن. ولقد كان روسو فيلسوفا أكثر منه موسيقيا في حملته على البوليفونية؛ إذ يقول: «إن أي هارمونيا يمكن أن تبعثها عدة سطور، لكل منها لحنه الجميل؛ إذا ما أديت سويا، تنتهي إلى إزالة أي تأثير لهذه الألحان الجميلة بمجرد أن نسمع معا ولا يظل يسمع عندئذ سوى تعاقب التآلفات الهارمونية، مما يوصف بأنه لا حياة فيه أبدا إذا لم يبعثه اللحن حيا، فكلما زاد المرء من تكديس الألحان غير المتلائمة بعضها فوق بعض، قلت المتعة وتضاءل الجمال اللحني للموسيقى؛ فمن المستحيل أن تتابع الأذن عدة ألحان في آن واحد، ولما كان أحدها يمحو تأثير الآخر، فلن يكون المجموع إلا جلبة وضوضاء، ولكي تكون القطعة الموسيقية بديعة، ولكي تنقل إلى الروح المشاعر التي يقصد منها أن تثيرها، فإن جميع الأسطر اللحنية ينبغي أن تتضافر في تقوية تأثير الموضوع، فلا يكون للهارمونيا من عمل سوى بعث النشاط في الموضوع الموسيقي، ولا يكون للآلات المصاحبة من وظيفة سوى تجميله دون أن تطغى عليه أو تشوهه. وعلى سطر القرار «الباص» (
bass ) أن يرشد المغني والسامع، في تتابع هارموني بسيط، دون أن يدركه واحد منهما، وبالاختصار فمن الواجب أن تنقل المجموعة كلها، في الوقت الواحد، لحنا واحدا إلى الأذن، وفكرة واحدة للذهن.»
19
ويضيف روسو في رسالته هذه عن الموسيقى الفرنسية، بعد قليل، قوله: «إن جعل الفيولينات تعزف بذاتها من جانب، والفلوتات (
نامعلوم صفحہ