وإنه ليتبين من هذا أكبر خطأ وقع فيه الفرس؛ فإنهم لو كانوا أعقبوا انتصارهم الأول في البر بتعلم حرب البحر والانتصار فيه لما استطاع أحد أن يدفعهم عن ملك دولة الروم.
8
وقد كان من حسن حظ المدنية المسيحية أن الفرس لم يكونوا من أهل البحار، ولم يعرفوا عند ذلك مقدار حاجتهم إلى ملك البحر إذا هم شاءوا أن يتم لهم النصر، وأن يبقوا على ما فتحوه. وقد جاء في كتاب «سبيوس» أن كسرى عندما بعث رده الشنيع إلى هرقل أمر جنده أن يعبروا إلى «بيزنطة»، فجهزوا عددا كبيرا من السفن، وأعدوا عدتهم للحرب في البحر. فلما سار أسطول الفرس قابلتهم سفن الروم الكبيرة، فصدمتهم صدمة انهزموا لها هزيمة قبيحة، ومات منهم أربعة آلاف رجل،
9
وتحطمت سفنهم كلها، ووقع في نفسهم الفشل «فلم يجرءوا بعد على مثل هذا العمل»، وظلوا مقيمين نحوا من عشر سنوات لا ينتفعون بما في يدهم من ثغور البحر، أمثال «خلقيدونية» وميناء الإسكندرية العظيمة، وما إليها من مواني الشام ومواني بلاد المغرب في «ليبيا» و«بنطابوليس»، وكانوا يستطيعون لو شاءوا أن يجمعوا في هذه المواضع سفنهم ويعدوها للحرب، فيسيطروا بها على بلاد البحر الأبيض المتوسط؛ فقد كانوا يستطيعون أن يجهزوا من الإسكندرية وحدها أسطولا به عدته ورجاله يناجزون به أساطيل الروم، وينابذونه على سواء في أمل النصر، ولكن الفرس كانوا جنودا اعتادوا حرب البر، فلم يفطنوا إلى قيمة البحر والسيادة فيه، ولم يتعلموا من الحوادث درسا تعلمته جمهورية الروم القديمة بعد لأي، ولكنها منذ لقنته برعت فيه، واستفادت منه أثناء حربها مع قرطاجنة، وهو الدرس الذي تلقنته العرب فيما بعد سريعا في فطنة وذكاء قبل أن ينتهي ذلك القرن السابع؛ وعلى ذلك فقد ظلت جنود الفرس مرابطة بالشاطئ ثابتة عليه، وكان أثرها في الحرب ضئيلا لا ترزأ عدوها بالهجوم إلا قليلا. فرأى هرقل بعد قليل أنه يستطيع أن يتركها حيث هي لا يعبأ بها، فكان الروم إلى ما بعد عشر سنوات من فتح الفرس مدينة «خلقيدونية» يسيرون بسفنهم آمنين، لا يخشون شيئا في المضيق بين جنود الفرس على ضفة وجنود الهون على الضفة الأخرى.
10
وقبل أن يبدأ هرقل رحلته حول آسيا الصغرى أعد العدة لكي يجهز ما يلزم لها من النفقة، وذلك بأن اقترض من الكنائس كل ما تستطيع إقراضه من كنوز عظيمة من آنية الذهب والفضة ثم سكها نقودا. وكانت تلك وسيلة سيئة فيها كثير من الإسراف أمد بها خزائن الدولة، ولكن لعله لم يكن دونه من وسيلة سواها. فلما أن تم الجهاز استخلف هرقل على الحكم ولده، وجعل عليه وصيين، وهما البطريق «سرجيوس» والنبيل «بونوس»، ثم انتعل نعلا أسود، ودخل الكنيسة الكبرى، وخر ساجدا يصلي لله يسأله المعونة والبركة فيما هو مقدم عليه.
11
وكان ممن شهد صلاة الإمبراطور رجل اسمه «جورج البيسيدي»، وكان شماس الكنيسة وسادنها، فقال: «أسأل الله أن تصبغ نعلك في دماء عدوك حتى يصبح نعلك الأسود وقد احمر لونه.» وتلك لعمري دعوة تقى نغتفرها لشاعر الملك،
12
نامعلوم صفحہ