فتاویٰ حدیثیہ
الفتاوى الحديثية
ناشر
دار الفكر
عبارَة عَمَّا يحصل بِتِلْكَ الْأُمُور، بل رَأَيْت فِي بعض شُرُوح الْأَرْبَعين تَفْسِير الْإِحْسَان بِمَا حَاصله عدم التعذيب وَنَحْوه، وَتَفْسِير الإراحة بِنَفس التَّحْدِيد وَنَحْوه، فحاصل الْكَلَام لَا نسلم أَن مَعَاني هَذِه المتعاطفات هِيَ الْمعَانِي الْفُلَانِيَّة الَّتِي يلْزم أَن يكون بَينهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص، وَلَكِن نؤولها بِحَيْثُ يُخرجهَا عَن الْعُمُوم وَالْخُصُوص، وَأما إِذا كَانَ للمتعاطفات معَان مقررة مَعْلُومَة من الْخَارِج، بِحَيْثُ يكون مِنْهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص، فَلَا تخرج عَن تِلْكَ الْمعَانِي بِلَا ضَرُورَة، وَأَيْضًا فَيجوز أَن يكون من أَفْرَاد عطف الْخَاص على الْعَام مَا لَا يُمكن تَأْوِيله، فَمن ادّعى أَن كل فَرد يُمكن تَأْوِيله فَعَلَيهِ الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ وَلَا دَلِيل لَهُ إِلَّا الاستقراء التَّام. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك المتناول لإيقاعه مَعَ التَّحْدِيد يسْتَلْزم أَن التَّحْدِيد مَأْمُور بِهِ، وَإِلَّا لم يكن لتِلْك الْمَعِيَّة فَائِدَة، وحينئذٍ يكون (وليحد) عطف خَاص على عَام وَهُوَ الْمُدَّعِي، وَوجه إشكاله وَاضح وَهُوَ أَنه لَا يلْزم من كَونه مَأْمُورا بِهِ أَن يكون عطف خَاص على عَام، فَمَا وَجه هَذِه الْمُلَازمَة وَمن أَيْن جَاءَت؟ فَإِنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يكون الْمَعْطُوف الْأَمر بالتحديد، والمعطوف عَلَيْهِ الْأَمر بالإيقاع مَعَ التَّحْدِيد وَغَيره، وهما متباينان قطعا. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك: وَتجْعَل الإراحة إِلَخ يلْزم عَلَيْهِ أَن (وليرح) عطف عَام على خَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْله: (وليحد) وَهُوَ يتَعَيَّن فِيهِ الْوَاو أَيْضا إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن (وليرح) لَيْسَ مَعْطُوفًا على (وليحد) بل على (أَحْسنُوا)، وَالنَّظَر إِلَى الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِنَّمَا هُوَ بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، فَمن ادّعى أَن النّظر إِلَى ذَلِك بَين الْمَعْطُوف وَغير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من المتعاطفات أَيْضا فَعَلَيهِ إثْبَاته بِالنَّقْلِ، وحينئذٍ يُجَاب بِجَوَاب آخر فَلم يحصل الْوُقُوع فِيمَا أُرِيد الْفِرَار مِنْهُ. وَقَوله: وَلَو تمسكنا إِلَخ، قَول لَا يقبل الْمَنْع، وَوجه إشكاله أَنه لَا يخفى أَن معنى إِحْسَان الذّبْح بِحَسب الْوَضع لَيْسَ نفس التَّحْدِيد وَغَيره، بل مَا يحصل بالتحديد وَغَيره فَيجوز أَن يكون هَذَا التَّعْبِير مِنْهُم على التَّجَوُّز وَيكون المُرَاد بِإِحْسَان الذّبْح فِي هَذَا التَّعْبِير أَسبَاب إحسانه مجَازًا من إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب، وقرينة هَذَا الْمجَاز ومُرَجِّحه أَن الْمجَاز خير من النَّقْل، ثمَّ لَا يلْزم من تجويزهم هُنَا تجويزهم فِي تَفْسِير الحَدِيث. وَمِنْهَا: قَوْله: وَإِن مقامك الِاسْتِدْلَال، وَوجه إشكاله أَنه بانَ خِلَافه. وَمِنْهَا: قَوْله: على أَنه لَا يَلِيق بِكُل إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن الْفَقِير لم يدع ذَلِك، وَصُورَة لَفظه، وَلَا يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَال على الْفساد أَن بَعضهم فَسرهَا بِمَعْنى يَقْتَضِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص، لِأَن تَفْسِيره بذلك لَا يُوجب فَسَاد التَّفْسِير بِغَيْرِهِ مَعَ قبُول اللَّفْظ واحتماله، وَنحن فِي مقَام الْمَنْع، فَلَا يَكْفِي الِاسْتِدْلَال بتفسير الْغَيْر بل لَا بُد من الدَّلِيل على عدم إِمْكَان هَذَا الْمَعْنى، وَعدم صِحَة حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ انْتهى. وَحَاصِله: أَن كَلَام الْأَئِمَّة لَيْسَ نصا فِي أَن معنى إِحْسَان الذّبْح نفس تِلْكَ الْأُمُور، بل مُحْتَمل وقابل لِأَن يكون مَعْنَاهُ مَا يحصل بِتِلْكَ الْأُمُور، فإنْ فُرِض أَن أحدا مِنْهُم وَقع فِي كَلَامه إِطْلَاقه على نفس تِلْكَ الْأُمُور صَرِيحًا، لم يَضُرُّ لِأَن تَفْسِيره بذلك لَا يمْنَع صِحَة تَفْسِيره بِغَيْرِهِ، بل وَلَو فسره الْأَئِمَّة بذلك لم يلْزم أَنهم يمْنَعُونَ تَفْسِيره بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فالفقير أحْقَرُ وأذلُّ مِنْ أَن يخْطر لَهُ مَا ذكر، فضلا عَن أَن يتفوّه بِهِ، وَعَن أَن يشافه مَوْلَانَا بِهِ، وَلَوْلَا طمعه فِي مزِيد حِلْم مَوْلَانَا ومحبَّتهِ مَا جسر أَن يَتَحَرَّك وَالله بِكُل شَيْء عليم. وَمِنْهَا: قَوْله: ثمَّ رَأَيْت إِلَخ، وَوجه إشكاله منع الصراحة الْمَذْكُورَة، وَمنع الْمُلَازمَة فِي قَوْله: وَإِلَّا لبطل. أما أوّلًا فَيجوز أَن يكون أحد الشَّيْئَيْنِ مَجْمُوع أَحْسنُوا وَمَا عطف عَلَيْهِ، فَإِن عد الْأُمُور شَيْئا وَاحِدًا للمناسبة والارتباط بَينهَا وَقع كثيرا، بل كثيرا مَا يَقع فِي لفظ النبوّة عدَّ أَشْيَاء تزيد على مَا ذكر من العدَدِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّه جعل كَذَا وَكَذَا شَيْئا وَاحِدًا، وَحَيْثُ كُنَّا فِي مقَام الْمَنْع، لَا يرد أَن يُقَال لَا حَاجَة إِلَى ذَلِك. وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون الْمَعْدُود اثْنَيْنِ هُوَ الْمَقْصُود من إِحْسَان الْقَتْل وإحسان الذّبْح، وَلَا يُنَافِي ذَلِك عطفه على أَحدهمَا مَا يتَحَقَّق بِهِ، على أَنه عَبَّر (بثم ليرح) وَثمّ لَا تكون بَين الْخَاص وَالْعَام كالفاء، فَيحْتَاج لتفسير الإراحة بِمَا يباين الْإِحْسَان، وحينئذٍ تتَحَقَّق الزِّيَادَة على الثِّنْتَيْنِ على كلامكم أَيْضا؛ ثمَّ إِن قَوْله، إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء أَعم مِنْ إِحْسَان الْقَتْل وإحسان الذّبْح، فَفِيهِ الزِّيَادَة على الثِّنْتَيْنِ وَلم يمْنَع من الْعدَد ثِنْتَيْنِ. وَمِنْهَا: قَوْله: وتجويز أَن الْوَاو إِلَى قَوْله: لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإحداد لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح، وَوجه إشكاله منع هَذِه الْمُلَازمَة، بل اللَّازِم أَن لَا يكون فِي الْكَلَام لفظ يدل على ذَلِك الْقَيْد، وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِك اكْتِفَاء بِقَرِينَة السِّيَاق وَالْمقَام فَإِنَّهَا قرينَة أيّ قرينَة، وَكم أوَامِر مُطلقَة اللَّفْظ لَا يقيدها
1 / 72