1105

فتاویٰ السبکی

فتاوى السبكي

ناشر

دار المعارف

الْأُمُورِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ كُفْرٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَأَمَّا إذَا أَبْغَضَهُ لِشَحْنَاءَ بَيْنَهُمَا دُنْيَوِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَظْهَرُ تَكْفِيرُهُ.
وَهَذَا الرَّافِضِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ وَمَنْ أَشْبَهَهُ بُغْضُهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَجْلِ الصُّحْبَةِ لِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَ عَلِيًّا وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَغَيْرَهُمَا وَلَكِنَّهُ بِهَوَى أَنْفُسِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ بِجَهْلِهِمْ ظُلْمَهُمْ لِأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى السَّبِّ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَلَا جَحْدٍ لِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَا يُكَفَّرُونَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَ كُفْرُهُ لِلطَّعْنِ فِي الدِّينِ فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] دَلِيلٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وَهَذَا الرَّافِضِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنُ لَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَتُبْ.
(الْأَمْرُ الْخَامِسُ) الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي قَتْلِ هَذَا الرَّافِضِيِّ أَنَّ هَذَا الْمُقَامَ الَّذِي قَامَ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَإِيذَاؤُهُ ﷺ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَنْ آذَاهُ «مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَنَا أَكْفِيكَهُ فَبَعَثَهُ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلْقِينَ قَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا رَجُلٌ مَعْرُوفٌ؛ فَأَعْطَاهُ الْخَلِيفَةُ أَلْفَ دِينَارٍ.
لَكِنَّ الْأَذَى عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فَاعِلُهُ قَاصِدًا لِأَذَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الْقَتْلَ وَهَذَا كَأَذَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ.
وَالْآخَرُ: أَنْ لَا يَكُونَ فَاعِلُهُ قَاصِدًا لِأَذَى النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ كَلَامِ مُسَطَّحٍ وَحَمْنَةَ فِي الْإِفْكِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي قَتْلًا، وَكَلَامُ هَذَا الرَّافِضِيِّ لَعَنَهُ اللَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِانْتِصَارِهِ بِزَعْمِهِ لِآلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ فِي الْمَقَامِ الَّذِي قَامَ بِهِ فُحْشٌ وَهَضْمٌ لِمَنْصِبِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أَقَامَ بِهِمْ الدِّينَ ﵃.
وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْأَذَى لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي نَاسٍ صَالِحِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ الْأَذَى كُفْرًا وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَفِعْلُهَا مُؤْذٍ

2 / 591