Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
اصناف
[*] ورحم الله ابن القيم إذ يقول: "لا تتمُّ الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بالنظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرَّات، كما قال الله - سبحانه -: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:؟؟]، فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة".أهـ
فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل، أو منهما معًا٠
ولذا نبذها رسول الله ﷺ وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، وهجروها ولم يميلوا إليها، عدوها سجنًا لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، ولكنهم علموا أنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف ينقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل)
ولقد كان النبي ﷺ يربِّي صحابته الكرام ﵃ على العزوف عن الدنيا والاشتغال بيوم المعاد ومن ذلك ما يلي:
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
[*] قال ابن رجب: "وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يُهيِّئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم .. ".
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
(حديث المستورد بن شداد ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم؛ فلينظر بم يرجع.
1 / 191