124

Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

اصناف

[*] وقال ابن مسعود ﵁: " اليقين أن لا تُرضى الناس بسخط الله، ولا تحسد أحدًا على رزق الله، ولا تلم أحدًا على مالم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، فإن الله يقسطه، وعلمه، وحكمته، جعل الروح والفرح فى اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن فى السخط والشك ".
الثانى: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة فى دنياه: من ذهاب مال، أو ولد، أو غير ذلك، أرغب فى ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين.
[*] قال علىّ كرم الله وجهه: " من زهد فى الدنيا هانت عليه المصيبات ". وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة من المفاليس.
الثالث: أن يستوى عند العبد مادحه وذامه فى الحق، وإذا عظمت الدنيا فى قلب العبد اختار المدح وكره الذم، وربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، على فعل كثير من الباطل رجاء المدح.
فمن استوى عنده حامده وذامه فى الحق دلّ على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه وامتلاه من محبة الحق، وما فيه رضى مولاه، كما قال ابن مسعود ﵁: " اليقين أن لا ترضى الناس بسخط الله ".
وقد مدح الله ﷿ الذين يجاهدون فى سبيله، ولا يخافون لومة لائم، وقد ورد عن السلف روايات أخرى فى تفسير الزهد.
قال الحسن: " الزاهد الذى إذا رأى أحدًا قال: هو أزهد منى ". وسئل بعضهم - أظنه الإمام أحمد - عمن معه مال هل يكون زاهدًا؟ قال: " إن كان لايفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه فهو زاهد ".
فالزاهد من أتته الدنيا راغمة صفوًا عفوًا وهو قادر على التنعم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظ للنفس، فتركها خوفًا من أن يأنس بها، فيكون آنسًا بغير الله ومحبًا لما سوى الله، ويكون مشركًا في حب الله تعالى غيره. أو تركها طمعًا في ثواب الله في الآخرة فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعًا في أشربة الجنة، وترك التمتع بالسراري والنسوان طمعًا في الحور العين، وترك التفرج في البساتين طمعًا في بساتين الجنة وأشجارها، وترك التزين والتجمل بزينة الدنيا طمعًا في زينة الجنة، وترك المطاعم اللذيذة طمعًا في فواكه الجنة وخوفًا من أن يقال له: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا" فآثر في جميع ذلك ما وعد على ما تيسر له في الدنيا عفوًا صفوًا لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى، وأن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلًا.

1 / 123