وما كان عمر بن الخطاب ليضعف؛ فقد كان له من قوة الشخصية وبروزها ما رأيت الكثير من مظاهره مجلوا في هذا الكتاب، وما كان له أثره البين قبل الإسلام وبعده، وكان هذا الأمر أشد وضوحا بعد هجرة المسلمين إلى المدينة حيث كان عمر وزير رسول الله كما كان أبو بكر وزيره، كان عمر يخالف رسول الله في أمور أقر القرآن رأيه في بعضها كما كان في أسرى بدر، ثم كان له من صدق إيمانه بالله ورسوله ما يجعله أول المسلمين إذعانا إذا نزل الوحي بما يخالف رأيه، وأول المسلمين تأسيا برسول الله إذا جرت سنته بأمر من الأمور، وكان عمر يخالف أبا بكر في أثناء خلافته، فإذا أصر أبو بكر على رأي أطاعه عمر؛ لأنه ولي الأمر، لكن طاعته لم تمح في يوم من الأيام شخصيته، وتأسيه بالرسول لم ينسه أن يفرق بين الثابت على الزمان من سنته
صلى الله عليه وسلم ، وبين ما قضت به أحداث الوقت، فمن المستطاع مراجعته وإعادة النظر فيه من غير أن يكون ذلك إنكارا له، اقتناعا بأن رسول الله لو امتد به الأجل لراجعه وأعاد النظر فيه.
كانت الوحدة السياسية لبلاد العرب بعض ما شغل به عمر في خلافه الصديق وإن لم يصرفه اشتغاله بها عن معاونته أبي بكر في تنفيذ سياسته أصدق المعاونة، فلما استخلف كان تثبيت هذه الوحدة وتوطيد دعائمها أول ما اتجه إليه همه، وقد هداه تفكيره إلى أن هذه الوحدة لن تكون سليمة إلا أن تصفو من كل شائبة، وذلك بأن يكون الجنس العربي كله متحدا في موطنه وفي عقيدته كاتحاده في لغته، واليهودية والنصرانية لا تزالان قائمتين في شبه الجزيرة أتراه يستطيع إجلاءهما عنها من غير أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله؟
لقد وادع رسول الله اليهود أول ما نزل بيثرب، فلما نقضوا عهدهم وحاولوا الغدر به، أجلاهم عن المدينة، ثم أجلاهم عن أكثر مواطنهم من شبه الجزيرة لما ناصبوه العداوة، ألا يدل ذلك على أن بقاء اليهود في مواطنهم لم يكن حقا لهم يجب احترامه، وأن موادعتهم كانت سياسة قضت بها مصلحة الدولة أول العهد بيثرب، فلما رأى الرسول مصلحة الدولة العليا لا تستقيم بها عدل عنها إلى سياسة غيرها! ومصلحة الدولة العليا توجب في رأي عمر أن توحد العقيدة في شبه الجزيرة كلها؛ لذلك كان من أول ما استفتح به عهده أن أجلى نصارى نجران عن شبه الجزيرة، فأمر يعلى بن أمية ألا يفتنهم عن دينهم، وأن يخرج منهم من أقام على نصرانيته، وأن يعطوا بالعراق أرضا كأرضهم بنجران، وأن تحسن معاملتهم، كذلك فعل بمن بقي من اليهود بخيبر أو بفدك: أجلاهم عن أرضهم إلى الشام، وعوضهم عنها بمال يعدل قيمتها، ولم يسئ إلى أحد منهم، بذلك خلصت شبه الجزيرة من كل عقيدة إلا الإسلام، فتوطدت فيها قواعد الوحدة التي قصد إليها أمير المؤمنين.
هذا تصوير واضح للباعث الذي دفع عمر إلى إخراج اليهود والنصارى من شبه الجزيرة، وهو في ذلك لم يخالف سنة ولم يخرج عليها، فعهد رسول الله مع اليهود والنصارى لم يكن سنة تثبت حكما، بل كان سياسة تغيرت في عهد الرسول، فلا بأس بأن تتغير بعده، وإنما غيرها عمر؛ لأن أحداث الوقت، وامتداد الفتح، وشدة الحرص على تمكين أواصر الوحدة في شبه الجزيرة قضت بتغييرها، وما كان عمر ليجمد على عهد تغير عليه العهد، وأصبح مضرا بمصلحة الدولة وسياستها العليا، فكيف به وهو موقوت بطبيعته؛ ينقضي بانقضاء مدته، ولا يتجدد إلا إذا رضي أمير المؤمنين تجديده!
لا يحسب أحد أني أنسب لعمر ما لم يدر بخاطره من التفكير في وحدة العرب؛ فقد أجمع المؤرخون على أنه استند في إجلاء اليهود والنصارى على ما روي عن رسول الله أنه قال: «لا يجتمع ببلاد العرب دينان .» وما ذكره البلاذري وغيره من أن عمر رأى أن أهل نجران كثروا، فخافهم على الإسلام، فأجلاهم، وأمر عماله بالعراق والشام أن يعوضوهم من أرضهم وأن يحسنوا معاملتهم، ولو أنه أجلاهم لأنهم نقضوا عهدهم لما لطف بهم كل هذا اللطف، ولما أحسن معاملتهم كل هذا الإحسان.
لا يكفي لتثبيت دعائم الوحدة في بلاد العرب ألا يبقى بها دين غير الإسلام، إذا بقي من الفوارق بين أهلها ما يجعلهم يشعرون بأن بعضهم أكثر حرية أو أوفر كرامة من بعض، وإذا لم تقم المساواة الصحيحة بينهم علما على سلامة تضامنهم، وقد بقيت بعض الفوارق بينهم بسبب الردة والحروب التي قضت عليها، أما وعمر يريد الوحدة صحيحة فلا بد من القضاء على هذه الفوارق بإزالة أسبابها؛ لذا رفع عن أهل الردة ما كان أبو بكر قد فرضه عليهم ألا يحاربوا في صفوف المسلمين! كما أمر برد السبي من العرب إلى عشائرهم ورد حريتهم إليهم؛ لأنه كره أن يكون السبي سنة في العرب، بذلك استفتح عهدا جديدا سرى معه في نفوس العرب جميعا روح أشعرهم، على اختلاف مواطنهم من شبه الجزيرة، بأنهم أمة واحدة، لها هدف مشترك وتوجهها سياسة عامة ومصلحة عليا يهيمن عليهما أمير المؤمنين.
وهذه المصلحة العليا، التي أملت على عمر ما قدمت تحقيقا لوحدة العرب في ظل الإسلام، هي التي أملت عليه أن يجعل هجرة الرسول مبدأ للتاريخ العربي، فقد كان العرب إلى ذلك العهد يؤرخون بعام الفيل حينا، وببعض أيام العرب الكبرى حينا آخر، وإذا كانت هذه الأيام كلها جاهلية، وكان الإسلام يهدم ما كان قبله؛ فقد رأى عمر في هجرة النبي إلى يثرب أعظم حادث في تاريخ الإسلام لعهده
صلى الله عليه وسلم ، أن كانت هذه الهجرة مبدأ نصر الله رسوله وإعزازه دينه، وقد قويت الوحدة العربية بهذا الاختيار الموفق، زاده توفيقا أنه تم في السنة السادسة عشرة للهجرة، حين كانت أعلام المسلمين تسير مظفرة في بلاد كسرى وبلاد قيصر؛ تقتحم المدائن وتفتض الإيوان الأعظم، وتفتح بيت المقدس وتقيم فيه المسجد الأقصى إلى جانب كنيسة القيامة، وقد واجه عمر بهذا التاريخ المجيد تاريخ الفرس وتاريخ الروم فإذا هو أعظم منها ضياء؛ لأنه يمثل أجل حادث في تاريخ العالم.
ولا ريب أن اختيار هذا التاريخ كان إلهاما موفقا، وعلى هذا الإلهام الموفق كان عمر يعتمد في سياسته لمواجهة أحوال الدولة المتغيرة في تطورها السريع ملتمسا دائما ما يراه أصلح لها وأدنى إلى تحقيق أغراضها.
نامعلوم صفحہ