وكان يلوح بقاء أوربة مركزا للحضارة وارثة للإغريق ولرومة ولعشرين قرنا من الجهود، وتبصر أوربة بغتة ابتعادها عن أن تكون قطب العالم، ناظرة في النصف الآخر من الكرة الأرضية قيام عالم جديد يختلف في أفكاره ومشاعره ومختلف عناصر حياته عما لديها اختلافا تاما. •••
ويبدو العالم الحديث مثقلا بما لم يكن له عهد به من المعضلات بفعل تطور شروط الحياة الناشئ عن اكتشافات العلم، وسرعة وسائل النقل على الخصوص، وترى الشعوب - التي كان بعضها مفصولا عن بعض بحواجز يتعذر اقتحامها - اتحاد مصالحها أو تصادمها، وينحل بالتدريج مختلف عناصر المجتمعات المسنة التي وحدت بينها لزمن طويل سلطة الآلهة أو الملوك، أو العادات فقط. وبما أن أشد البلاد ثباتا نظم بماض لم يتغير قط فإنه يواجه أحوالا غير منتظرة.
ولما تعرف الأحزاب السياسية أن تلائم الضرورات التي نشأت عن تحولات العالم، ومن العبث محاولة الجذريين والاشتراكيين والمحافظين وغيرهم حل المعضلات الحديثة بصيغهم القديمة، وما فتئت المبادئ البسيطة تسيطر على الحياة السياسية، وبما أن مبدأ الدولة الربانية أكثر ما يسيغه ذكاء الجماعات الأوربية، فإن الحكومية قد امتد أمرها على صيغ مختلفة في نهاية الأمر، واليوم كل يطالب الدولة بما لا تقدر عليه من حل المشاكل.
أجل، إن العالم سيلائم في نهاية الأمر شروط الإنتاج والمبادلة الجديدة، غير أن الانقسامات العميقة باقية بيد دول أوربة حيث يتألف من طبقات كل بلد عامل تهديد بالانحطاط. ويقترح فريق من ذوي الفضل معالجة ذلك بإقامة اتحاد أوربي بين الحكومات التي تهدف إلى إيجاد نظام تضامن مادي وأدبي ثابت، ومن الصواب أن لوحظ أن مثل هذا الاتحاد يقوم فقط على تعميم شركة موجودة لبعض الخدم الأممية منذ حين، كالبريد والبرق والهاتف والطرق والقنوات والخطوط الحديدية ومسائل النقود، إلخ.
ولا تقوم صعوبة تحقيق هذا البرنامج الواسع على اقتحام الفروق النفسية التي تفصل بين الأمم فقط، بل تقوم على اختلاف المصالح الاقتصادية أيضا، ومع ذلك فإن الضرورة قوة نفسية بالغة من العظم، ما قد تنتهي به الأمم الأوربية إلى إدراكها وجوب تفاهمها في آخر الأمر، خشية أن ترى زوال حضارتها.
وهنالك مصاعب مختلفة - ولكن مع إمكان تذليلها - تعترض كذلك مشروع الاتحاد الفدرالي الجديد، ومن ذلك مثلا: أن إنكلترة تفضل على الوحدة الأوربية وحدة بريطانية، يؤلف بها بين مختلف أجزاء العالم الخاضع لنفوذها؛ ولذلك فهي تنظر بقليل عطف إلى مشروع اتحاد يمكن أن يؤدي إلى تخلي كل دولة عن قسم من سلطانها في سبيل الدولة العليا.
ولا يمكن أن ينشأ توحيد أوربة عن مناقشات كالتي تقع في جمعية الأمم، بل ينشأ عن جمعيات اقتصادية ذاتية عرض ما بينها من صلات صناعية أمثلة كثيرة.
ونتائج مثل تلك أعلى تماما من التي ظفر بها بعد جهود عشر سنين بذلها اثنان وخمسون ممثلا في جمعية الأمم، فهؤلاء إذ غاصوا في نظريات وهمية ظهر أنهم يجهلون ما يسير العالم من ضرورات.
وإذا عدوت هذا الاتحاد الاقتصادي بين الأمم الأوربية وجدت المناهج الوحيدة التي اقترحت حتى الآن لحفظ السلم مؤلفة من مشروعات نزع السلاح، بيد أنه لم يكن من الصعب أن يعترف أمام الأخطار التي تحيط بجميع الأمم بأنه لا يمكن أمة أن تبقى عزلاء من السلاح.
وعقدت مؤتمرات كثيرة في عواصم كثيرة بالتتابع، فأثبتت تعذر نزع السلاح فعلا، كما دلت على ضرورة استقرار نزع السلاح بالنفوس في بدء الأمر. •••
نامعلوم صفحہ