422

ثم نعود إلى مراجعة الإخوان على سبيل التفصيل، أما ما ذكروه من كون الغفلة منا عن تلك الجهات، من أسباب انضراب أهليها، وما حدث من التغيير فيها، فقد تقدم ما أشرنا إليه، من أنه لا غفلة في الحقيقة عن هذا الشأن، وإن الذي يغفل عنهم من ذلك إما غير راجح، وإما غير داخل في حيز الإمكان، ثم إنا نبوح بسرنا، ونظهر ما كتمناه من أمرنا، وإن صدور الأحرار، قبور الأسرار، وفي النفس أمر لم نزل نكتمه عن البعيد والقريب، وإن لم يكن فيه ما يريب، لكن قد ينشأ من إظهار الصواب ملام، وقل من يتأمل المعنى الدقيق إلا أولي الأحلام، وهو أنا نظرنا في إقامتنا بالديار اليمنية، وما حكم أعمالنا بها في كونها مرضية، وما ثمرة ذلك المطلوب ومغبته المحبوبة، فوجدنا خلاصة عملنا فيها، وقصارى بغيتنا منها، السلامة من شر أهليها، والنجاة من انتهاك النفس أوالعرض فيها، وتوفر زكوات نطلبها، واستحصال حقوق واجبات نجمعها، ثم نذهبها في المداراة، ونتلف معظمها لأولي التأليفات، ولم نجد قابلية لأهلها في قبول أوامرنا ونواهينا، وإخلاص الطاعة والمودة فينا، وامتثال ما رمناه من خلاصهم وصلاحهم، واعتماد ما يوصلهم إلى ظفرهم وفلاحهم، بل نفوسهم طامحة، وأعينهم رامحة، إلى أن نكون نحن المطيعين لهم، والمسعدين إلى مرامهم، فإن طلبت منا عطية لانتمكن منها، أو نتحرج عنها، أو مصارفة غير مخلصة، ولا واقعة على القاعدة المعتبرة، أو وضع ولاية لمن لا يصلح لها، ولا هو من أهلها أو غير ذلك من الأغراض الفاسدة والأهواء التي ليس لها في أمر الدنيا قاعدة، ولم نفعل ذلك، ولم نسلك معهم تلك المسالك، كان سببا في كثرة الأذى، وإثارة العداوة والبغضاء، وإذا أردنا أن نرضي بعضا أغضبنا بعضا، ولا نعلم أن أحدا ممن يفد علينا، أو يرد إلينا في الأغلب -على أنه لا انحصار لعددهم، ولا انقطاع لمددهم- يكون بغيته منا، وغرضه من وفوده إلينا، أن يستفيد منا أمرا أشكل عليه من أمور دينه، أو يقصد بذلك الخروج من دائرة شكه إلى حيز يقينه، أو يرجع منا بمسألة قد استفادها، أو طريقة صالحة اقتبسها منا واستعادها، بل يكون الغرض إما عرضا من الحياة الدنيا، أو مساعدة إلى شيء من الأهواء، وشأننا في خلال [ذلك] ومهمتنا تلقي من يرد ويفد بالتوقي لغضبه وشره، والتحرز من خدعه ومكره، والترقب لما ينفح من أذاه وهجره، إما بسبب طعام لا يعجبه، أو عروض أمر يغضبه، أوعطية يستقلها، أو بغية لا يجدها، فيغتاظ لها، نسهر في ذلك ليلنا، ونتعب فيه نهارنا، حتى لا نكاد نصلي صلاة في وقت اختيارها إلا في الأقل من الأوقات، ولا نتفرغ لعلم نفيده أونستفيده إلا في اليسير من الساعات، ولا نخلو في الأغلب خلوة ذكر وتفكر وما أنفع الخلوات، ونحن على هذه الحال ، إلى أن ننفق جميع ما جمعناه، ولا نستفصل شيئا مما حصلناه، إما لجهاد ذوي الظلم والعناد، أو لسداد ذوي الفضل والرشاد، أو إحياء علم يستفاد، أو تأسيس مصلحة دينية تستجاد، فإذا فرغ ما في أيدنا أوكاد، انتقلنا عن اليمن والأمر بخلاف ما يظن، نخشى من الإقامة فيه وبين أهليه، مع نفاد بيت المال على تلك الصفة، والحال أن يطلبوا منا مالا يجدونه، ويحاولوا منا مالا يدركونه، فيعودوا أعداء يبتغون لنا الغوائل، ونقع منهم في الخطوب الجلائل، ومع ذلك فشكرهم لنا قليل أو معدوم، وأكثرهم يظهر أنه من جهتنا موتور ومغموم، والأخوان الصالحون عنا في خلال ذلك مبتعدون غير مقتربين، وغائبون غير حاضرين، وغافلون غير ذاكرين، وخاذلون غير ناصرين، لا يصبرون عندنا ولا يصابرون، ولا يعينوننا فيما نعانيه ولا يحاصرون، ولو أنهم حضروا وصبروا، وواسوا وأعانوا، لصلحت والله الأمور، وانشرحت الصدور، وانتزحت الشرور، وانتظم أمر الجمهور، ولكن ما يعمل الواحد وحده؟ وما يبلغ سعيه ولو استفرغ جهده؟ فلذلك ضاق الصدر، وعيل الصبر، ونظرنا إلى صفة أمرنا وسيرتنا في الجهات الأخرى، فوجدنا الحكم لنا على أهلها، وبيدنا النظر في عقد أمورها وحلها، لا يضطرنا أهلها إلى خلاف ما نريد، ولا نقول ونفعل فيها إلا ما هو جار على المنهج السديد، ثم لا تغرب شمس نهار، وينسخ ظلمة ليل طلوع الصبح بالأنوار، إلا ولنا سنة نحييها، أو بدعة نميتها، أو علوم ننشرها، أو حكم نظهرها، أو قواعد مصالح دينية نؤسسها، أو وظائف تقى وهدى نصونها عن التغيير ونحرسها، ولقد وقع في هذا العام من المصالح العظام، وإحياء المدارس التي كانت دوارس للعلوم والقرآن، وبناء الجوامع والمساجد في كثير من البلدان، وإقامة الحدود، وإزالة المنكرات، والتشديد على أهل الأفعال المقبحات، وتقوية الأمر بالمعروف، وإزالة كل منكر مألوف، في جهات كانت قبل قيامنا معروفة بالقبائح، ومجمعا للرذائل والفضائح، لا يكاد يوجد فيها صالح، ما لو اطلع عليه الأخوان لقرت منهم به الأعيان، ولعلموا أنه نتيجة الإمامة المقصودة، وثمرتها المستطابة المحمودة، فهذا أمر كلي، ووجه جلي .

صفحہ 465