دیوان امرؤ القیس
ديوان امرؤ القيس
ناشر
دار المعرفة
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
پبلشر کا مقام
بيروت
ـ[ديوان امرِئ القيس]ـ
المؤلف: امْرُؤُ القَيْس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار (المتوفى: ٥٤٥ م)
اعتنى به: عبد الرحمن المصطاوي
الناشر: دار المعرفة - بيروت
الطبعة: الثانية، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
عدد الأجزاء: ١
أعده للشاملة/ محمد العلوة
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
نامعلوم صفحہ
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الديوان
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وبعد:
فهذا ديوان فحل من فحول الشعراء في الجاهلية، بل رأس الطبقة الأولى في طبقات الشعراء؛ إنه (ديوان امرئ القيس)، الملك الضليل، الذي سبق شعراء العربية إلى أشياء استحسنها الشعراء من بعده، والفضل للسابق، ومن قدّمه؛ فلفضله بالسبق، ليس إلّا!.
ويروى أن النبي ﷺ قال فيه: (ذاك رجل مذكور في الدنيا، شريف فيها، منسي في الآخرة، خامل فيها، يجيء يوم القيامة، ومعه لواء الشعراء إلى النار) (١).
وروي، أيضًا: (يتدهدى بهم في النار). ويروى: أن كلًا من لبيد وحسان قال: (ليت هذا المقال فيّ وأنا المدهدى في النار).
وروي عن ابن الكلبيّ أنه قال (٢): أتى قوم رسول الله ﷺ، فسألوه عن أشعر الناس. قال: (ائتوا حسان). فقال (حسان): ذو القروح (يعنى امرأ القيس)، إلا أنه لم يعقب ولدًا ذكرًا، بل إناثًا، فرجعوا، فأخبروا رسول الله ﷺ، فقال: (صدق. مرفع في الدنيا، حامل في الآخرة، شريف في الدنيا، وضيع في الآخرة، هو قائد الشعراء إلى النار).
(١) المعجم الكبير، الطبراني: ١٨/ ٩٩. مجمع الزوائد: ١/ ١١٩.
(٢) شرح المعلقات العشر، الشنقيطي، ص١٠.
1 / 5
ومن الأمور التي يُلمز بها امرأ القيس ويُهمز، أنه كان مفرّكًا؛ لا تحبه النساء، ولا تكاد امرأة تصبر معه، وتزوج امرأة من طيئ -على زعم الرواة- فأبغضته من ليلتها، وقالت له مرّة: كرهتُ منك أنك خفيف العزلة، ثقيل الصدر، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة (١).
وطرأ على سيرته وضع كثير من القصص من صنع القصاص في الأدب العربي، لعلّ لهل أساس من الصحة، ولكنها حبطت لما زيد فيها من أشياء من صنع الخيال الشعبي (غالبًا).
عملي في (الديوان):
- قابلت بين عدة نسخٍ مطبوعة من الديوان، وأفدت منها كثيرًا.
- كتبت (بين يدي الديوان) وفيه: ترجمة الشاعر امرئ القيس، ودراسة المعلّقة.
- شرحت المفردات اللغوية الغريبة، ووضعت علامات الترقيم، وضبطت الأبيات الشعرية ضبطًا يكاد يكون تامًا.
- وضعت عنوانات للقصائد والمقطوعات الشعرية، وأثبتّ أوزان البحور للقصائد في الديوان.
- صدّرت (الديوان) بـ (المعلقة)، نظرًا لأهميتها وجماليتها الفنية ولقيمتها الأدبية.
وبعد، فهذا عملي، ولا أدّعي أني أتيت فيه بجديد .. وقد سبقني إلى
(١) في عبارات هذه المرأة كنايات لطيفة، مستحسنة، عن أوضاع الجماع عند امرئ القيس.
1 / 6
شرح الديوان والمعلّقة كثيرون، وقد أفدت منهم الشيء الكثير، إنما هذه الطبعة تُظهر (الديوان) بحلّة قَشيبة، وشرحٍ ميسرٍ مبّسطٍ للألفاظ الغريبة.
وإني لأرجوا أن أكون قد أدّيت (شيئًا) نحو واجب لغتنا ومكتبتنا العربية علينا، فإن كان كذلك، فبتوفيقٍ من المولى سبحانه. إذ هو نعم المولى ونعم النصير.
كتبه
عبد الرحمن المصطاوي
1 / 7
ترجمة امرئ القيس (١)
(٠٠٠ - ٨٠ ق. ه = ٠٠٠ - ٥٦٥ م)
أ حياته:
اسمه حُنْدُج، وقيل: عَديْ، وقيل: مُلَيْكَة، ولُقِّب بذي القروح وبالملك الضليل، وبامرئ القيس، وطغى هذا اللقب على اسمه وعُرف به. وعُرف بثلاث كُنى هي: أبو وهب، وأبو زيد، وأبو الحارث.
أبو حُجُر ملك غطفان وأسد، وأمه فاطمة بنت ربية أخت المهَلهِل ويمكن تقسي حياته إلى مرحلتين: أولاهما مرحلة الشباب العابث، والثانية مرحلة السعي العائر إلى الملك، يفصل بينهما مصرع أبيه.
نشأ حُنْدج في نجد من أسرة توارثت الملك، ودانت لها قبائل العرب من ربيعة ومضر، ومضى يتردد بين أسرة أبيه وأسرة خاله المهَلهِل من تغلب، مزهوًا بنفسه وبملك أبيه، غارقًا في لذائذ الدنيا.
إنْ مال إلى اللهو وجد بين الإماء والقيان طِلْبته، وإنْ طلب الطرد والقنص سار في ركابه فتيان مجّان، يبغون ما يبغي من نزو على الجياد، ومطاردة للفرائس.
وعندما تنادى امرؤ القيس في ضلاله طرده أبوه، فلم يزد الطرد مجانته إلا اطّرادًا، وإلحاحًا على الغيّ، إذ راح ينفق عمره في الشهوات، ويعايش من شذّ وتصعلك، ومن غوى وفسق.
(١) انظر ترجمته في: شرح المعلقات العشر، الشنقيطي، ص٧. طبقات فحول الشعراء، ص٥١. خزانة الأدب، البغدادي ١/ ٢٩٩، الأغاني: ٩/ ٧٧.
1 / 9
وبينما هو غارق في لذائذه، وقعت واقعة نقلته من المجون إلى الشجون، ومن الخمر والقمر، إلى الغمّ والهم.
فعندما وصله خبر أبيه قال: (ضيّعني صغيرًا، وحمّلني دمه كبيرًا لا صحو اليوم، ولا سكر غدًا. اليوم خمرُ وغدًا أمر). فآلى ألا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن، ولا يصيب امرأة، حتى يدرك ثأره.
فلبس امرؤ القيس لامة الحرب، وحاولت قبيلة أسد أن تترضاه، فلم يرضَ، فقاتلهم حتى كثرت الجراح والقتلى فيهم، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد.
لم تشف هذه المقتلة غلّ امرئ القيس، واستنصر بقَيْل يُدعى مرثد الخير بن ي جَدن الحِمْيريْ فنصره وأمّده بخمسمائة رجل من حِمير، ولكن هذا المدد لم يحقق النصر لامرئ القيس، فاضطر امرؤ القيس إلى التجول من أمير إلى أمير، وإلى تجرع الغصص غصّة بعد غصّة، فترك ماله وأسلحته لدى السموأل بن عادياء، ويممّ شطر قيصر فأحسن قيصر وفادته، لكنّه لم يعنه على استرداد ملكه.
ويقال: إنّه أصيب في عودته بالجدري، فمات، وقيل: إنه مات بسمّ سرى في جسمه من حلّةٍ مسمومة، خلعها عليه عظيم الروم.
هذه هي حياة الملك الضَّليل التي كادت أحداثها المثيرة أن تجعلها أسطورة ساخرة.
ب شعره وأغراضه:
كان شعر امرئ القيس في المرحلة الأولى من حياته غزلًا ووصفًا لمجالس الأنس والخمر، والحصان رفيقه في الصيد، ومطيته في ميادين القتال، وفي المرحلة الثانية غلب على شعره المدح والهجاء والفخر بالملك القديم ووصف الناقة وسيلته في قطع الفلوات.
1 / 10
ومن حيث العواطف، كان شعره في المرحلة الأولى يتّفجر حيوية وتفاؤلًا وزهوًا، واعتزازًا، فلما فُجع بأبيه، غرق في الشكوى والحزن والتذمّر من غدْر الناس والزمان.
وفي الأسلوب كانت ألفاظ الشاعر في المرحلة الأولى أقرب إلى العذوبة والوضوح، والانسياب، ولم يفارق أسلوبه هذه الخصائص في المرحلة الثانية لكن ألفاظه شابها المقت، وخالطتها الكآبة.
ج- منزلته:
هو من شعراء الطبقة الأولى في العصر الجاهلي، وهم زهير بن أبي سُلمى، والنابغة الذبياني، والأعشى ميمون، وامرؤ القيس. ثم اختلفوا في تقديم أحدهم على طبقته، وفضّل كثيرٌ من الأدباء شاعرنا أكثر من الذين فضّلوا سواه، ومن هؤلاء الأدباء ابن رشيق القيرواني الذي يقول: (ولكلّ واحد منهم طائفة تفضّله وتتعصّب له. وقلما يُجْتَمع على واحد إلا ما روي عن النبي ﷺ في امرئ القيس: أنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار).
ويروى أن عليًّا كرّم الله وجهه فضّله على شعراء الجاهلية (لأنه لم يقلْ لرغبةٍ ولا لرهبة). وأيضًا عمر بن الخطّاب ﵁ والفرزدق، وابن سلّام الجُحميّ صاحب كتاب طبقات (فحولة الشعراء) كلهم شهدوا له بالسبق.
د- السمات الفنية لشعره:
لقد تميّز شعره بعدة سمات؛ كالوضوح الذي عُبّر عنه (بقرب الماخذ)، وجَوْدة التصوير، ورقّة الأسلوب في الغزل، وأمور جزئية كالبكاء على الديار وتشبيه النساء بالظباء مما لا يمكن القطع في أنع من اختراع حُنْدُج.
غير أن السّمات العامّة نفسها كوضوح المعاني وجمال التصوير ورقّة الأسلوب يمكن ردها إلى تأثره بالبيئة الحضرية. ومن أبرز هذه السمات:
١ - وفرة التشبيه، لوفرة الموارد الطبيعية والمصنوعة التي كانت تلامس
1 / 11
حواسه وتتيح له أن يرسم منها الصور، فقد ألقت الحياة بين يديه ما لم تلق بين أيدي غيره، فحصانه يدور كخدروف الوليدـ وترائب صاحبته مصقولة كالسجنجل.
والطابع الحسي والواقعية من أهم خصائص التشبيه عنده لكنه كان في بعض التشبيهات يعرض للأشياء لمحًا، ويترك في تشبيهه جانبًا خفيًا غامضًا وله في ذلك ابتكارات كثيرة ملكت على الأقدمين ألبابهم يقول:
أيَقْتُلُني وَالمَشْرَفيُّ مُضَاجِعِي ... ومَسْنُونَةً زُرْقٌ كأنيابِ أَغْوَالِ
٢ - عنايته بموسيقى الألفاظ ولعّله من أجل ذلك كان يكثر من التصريع، على نحو ما صنع في المعلّقة، وتتجلّى عناية الشاعر بالموسيقى في إخضاع الصوت للمعنى، كاختيار الأصوات الصاخّة للمعاني البدوية، واختيار الأصوات المهموسة والألفاظ المأنوسة للمعاني الحضرية، والمواقف الوجدانية كقوله:
مِكَرّ، ٍ مفرٍّ، مُقْبِلٍ، مُدْبِرٍ معًا ... ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ ...
فقد جعل لكل وضع من أوضاع الفرس لفظةً قائمة برأسها مفصولة عن جارتها.
ومع كل ذلك مجد في إيقاعه بعض الخلل سببه كثر الزحافات والعلل العَروضية كقوله:
أعِنّي على برقٍ أراهُ وميضِ ... يضيءُ حَبيًّا في شَمَاريخَ بيضِ
بلادٌ عريضةٌ، وأرض أَرِيضةٌ ... مَدَافِعُ عَيْثٍ في فضاءٍ عريضِ
فقد وازن، وصرّع، ورصّع؛ لكنه أساء إلى الموسيقى الخارجية أي إلى الوزن، فقلق الإيقاع لا يرتاح له السمع.
٣ - سموّ الشاعر من أفق العاطفة الذاتية إلى أفق العاطفة الإنسانية.
1 / 12
ويظهر هذا السمو بعدة صور: أولاها أن فجيعته بأبيه وملكه أخرجت من قلبه الأثرة المفتونة بالذات، فهو ينسى مصابه، ويتأثر بما يصيب غيره ويقول:
أرى أمّ عمرٍو دَمْعُهَا قد تحدّرَا ... بُكَاءً على عَمرٍو، وَمَا كان أصْبَرَا
والثانية: أسفه على ما أصاب قومه من فُرقة، وما أصابه من غربة يقول:
ذكَرْتُ بها الحَيَّ الجَميعَ فَهَيّجَتْ ... عَقَابيلَ سُقْمٍ مِنْ ضَمِيرٍ وأَشْجَانِ
فَسَحّتْ دُموعي في الرِّداءِ كأنّهَا ... كُلىً ً من شَعِيبٍ ذاتِ سَحٍّ وَتَهْتانِ
وتظهر هذه العاطفة الإنسانية في إغاثة الملهوف، وإطلاق سراح الأسير، وتأثر الشاعر بالطبيعة الصامتة والحية، إذ يخلع عليها من مشاعره الفيّاضة حسًّا إنسانيًا، فتغدو نفوس تفرح وتحزن، ويخامرها ما يخامر الشاعر من خلجات الألم والسرور والغضب والطرب.
1 / 13
دراسة المعلقة (١)
مهما طال الحديث عن شعر (الملك الضلّيل) يبقى ناقصًا ما لم يتناول معلّقته التي أولاها الأقدمون عناية بالغة، وجعلها الرواة فاتحة كتبهم، وعُني بها الدّارسون فترجموها إلى عدة لغات أجنبية.
فذهب بعضهم إلى أنّ الدافع الذي دفع امرأ القيس إلى نظم المعلّقة هو يوم دارة جلجل حيث التقى بعنيزة ابنة عمه تتنزه مع العذارى فذبح لها ناقته. ومطلعها:
قفا نبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخولِ فحَوْملِ
يقول ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة): (وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر؛ لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد).
فالمعلّقة قصيدة لامية على البحر الطويل، وقد اختلف الرواة في عدد أبياتها فهي برواية الأصمعي سبعة وسبعون بيتًا، وفي شرح المعلقات للزوزني واحد وثمانون بيتًا.
بإمكاننا أن نقّسم المعلّقة إلى سبعة أقسام، أطولها الغزل الذي يشغل نصف الأبيات.
- القسم الأول: وصف الأطلال: ويقع في ستة أبيات أولها:
قفا نبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخولِ فحَوْملِ
(١) دراسة المعلقة مأخوذة من كتاب (الأدب الجاهلي)، غازي طليمات، وعرفان الأشقر، دار الإرشاد، حمص. بتصرّف.
1 / 14