261

دراسات عن مقدمة ابن خلدون

دراسات عن مقدمة ابن خلدون

اصناف

وإذا تم تغلب صاحب الدولة على ظهرائه الأولين، وانفرد بالمجد بلا مانع؛ دخلت الدولة في الطور الثالث، وهو «طور الفراغ والدعة»: «طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فيستفرغ» صاحب الدولة «وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج، وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة، وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل، وبث المعروف في أهله، هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه، واغتراض جنوده وإدرار أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكبهم وشاراتهم يوم الزينة، فيباهي بهم الدول المسالمة، ويرهب الدول المحاربة» (ص176).

يكون أهل الدولة - في هذا الطور - قد تخلصوا من «المتاعب التي كانوا يتكلفونها في طلب الملك، وآثروا الراحة والسكون والدعة، ورجعوا إلى تحصيل ثمرات الملك من المباني والمساكن والملابس، فيبنون القصور، ويجرون المياه، ويغرسون الرياض، ويستمتعون بأحوال الدنيا، ويؤثرون الراحة على المتاعب، ويتأنقون في أحوال الملابس والمطاعم والآنية والفرش ما استطاعوا، ويألفون ذلك ويورثونه «من يأتي» من بعدهم من أجيالهم» (ص167).

إن هذا الطور هو آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة؛ لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم، بانون لعزهم، موضحون الطرق لمن «يأتي» بعدهم» (ص176). (4)

عندئذ يبدأ الطور الرابع، وهو طور «القنوع والمسالمة»: «يكون صاحب الدولة في هذا الطور قانعا بما بنى أولوه، سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله، مقلدا للماضين من سلفه، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره»، ويعتقد «أنهم أبصر بما بنوا من مجده» (ص176).

فيترك التعب والكد في توسيع الصيت والمجد، وينصرف إلى التنعم من نعم الحالة التي ورثها من أجداده. (5)

ولكن هذا الطور إذا بدأ لا بد أن يؤدي بعد مدة إلى طور آخر، هو طور التبذير والإسراف: «يكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه»، إنه يقرب من يخدم شهواته، ويغدق عليه العطاء، ويقلده عظائم الأمور، ويبعد صنائع سلفه «حتى يضطغنوا عليه، ويتخاذلوا عن نصرته». إن ما ينفقه على شهواته وملاذه يضطره إلى تقليل أعطيات جنده، وكل ذلك يؤدي إلى قلة عدد الجنود من جهة، وفساد حالتهم من جهة أخرى.

وخلاصة القول: إن صاحب الدولة في هذا الطور يكون «مخربا لما كان سلفه يؤسسون، وهادما لما كانوا يبنون.»

ولهذا السبب تحصل في الدولة في هذا الطور «طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه، ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض» (ص176). (6)

من المعلوم أن ابن خلدون شبه عمر الدول بعمر الأشخاص، فقال: إن الدول - كالأشخاص - تنتقل في حياتها من سن التزيد إلى سن الوقوف، ثم إلى سن الرجوع.

وإذا نظرنا إلى الأطوار الخمسة الآنفة الذكر من هذه الوجهة؛ وجدنا أن دور التزيد في الدولة ينحصر في الطورين الأوليين، وأما الطور الثالث فيوافق سن الوقوف، والطوران الأخيران يشبهان سن الرجوع.

نامعلوم صفحہ