انسان کا دین
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني
اصناف
لقد عرفت الفيزياء التقليدية مبادئ الإحصاء وأفادت منها، إلا أنها اعتقدت بأن الصورة الإحصائية لسلوك مجموعة فيزيائية ما، هي نتاج إجمالي لسلوك عناصر المجموعة. فالضغط الحاصل مثلا على جدران مضخة هوائية، هو مجموع اصطدامات جزيئات الهواء المضغوط بتلك الجدران، ونحن نستطيع ولو من حيث المبدأ أن ندرس مسار كل جزيء داخل المضخة وحساب الضغط الفردي الذي يمارسه. أما في الفيزياء الكوانتية، فنحن لا نمتلك من حيث المبدأ أي وسيلة للتنبؤ بالسلوك الفردي لأي جسيم؛ ولذا فإن التركيز هنا يتم على السلوك الإجمالي، أما السلوك الفردي فسلوك احتمالي صرف ولا نستطيع تحديده بدقة. والاحتمال هو الخصيصة الأساسية لميكانيك الكم. وهنا نستطيع أن نسوق مثالا مبسطا يوضح مفهوم الاحتمال الكوانتي. فكلنا يعرف أن الكربون المشع يتحلل بمرور الزمن عن طريق إطلاقه لإشعاعات معينة، وأن هذا النوع من الكربون يخسر نصف وزنه كل 160 سنة. فإذا دفنا في الأرض غراما واحدا من الكربون المشع ، فسنكون على بينة تامة من أننا لو أخرجناه بعد 1600 سنة فسنراه وقد تحول إلى نصف غرام فقط، ولكننا لا نستطيع معرفة الذرات التي ستتحلل وتلك التي ستبقى سليمة، كل ما نستطيع تقريره هو أن 50٪ من هذه الذرات سوف ينطلق على شكل إشعاعات، و50٪ منها سوف يبقى في شكله الحالي.
إن الطابع الإحصائي للقوانين الفيزيائية الناظمة للعالم الذري وما دون الذري، لا يعكس جهلنا الحالي بالعالم الصغري قدر ما يعكس طبيعة ذلك العالم، حيث الاحتمال هو الخصيصة الأساسية التي تحكم كل العمليات الجارية فيه. فالجسيمات الأولية لا توجد على وجه التأكيد في أمكنة ومواضع معينة، وإنما تظهر ميلا للوجود، والحوادث الذرية لا تأخذ مجراها على وجه التأكيد في أزمنة معينة وبطرائق محددة، وإنما تظهر ميلا للحدوث. فمن غير الممكن، مثلا، أن نقول على وجه التأكيد أين يوجد الإلكترون على مداره حول النواة، وإنما نستطيع تكوين احتمالات عن ميله للتواجد في أمكنة مختلفة حول النواة، وذلك من خلال صيغة رياضية تدعى تابع الاحتمال، تدلنا على إمكانيات تواجد الإلكترون في أمكنة متنوعة وأزمنة متنوعة. لنفرض الآن أننا حررنا هذا الإلكترون من مداره حول النواة بواسطة تجهيزات معدة لهذا الغرض، وذلك بقصد دراسة خصائصه وسلوكه. إن إتمام عملية الرصد والاختبار هذه لن يتم إلا إذا ارتحل الإلكترون حرا وعبر مسافة معينة، من منطقة التجهيز التي حررناه فيها إلى منطقة أخرى معدة للقياس، حيث نتلقاه على لوح حساس كما هو موضح في الشكل أدناه.
إن كل الأحوال التي يمر بها الإلكترون من مكان إطلاقه إلى اصطدامه باللوح الحساس، هي أحوال احتمالية صرفة؛ فنحن لا نستطيع التأكد من مكان وجوده على مسار ارتحاله في زمن معين، بل لدينا عدد من الاحتمالات عن تواجده في أماكن معينة وأزمنة معينة، تقدمها لنا الصيغة المعروفة بتابع الاحتمال. وكذلك الأمر عن موضع سقوطه على اللوح الحساس؛ إذ إن تابع الاحتمال يقول لنا إن هنالك 60٪ لإمكانية سقوطه في المنطقة
x
و40٪ لسقوطه في المنطقة
y ، والأمر كله خاضع للصدفة. فإذا سقط الإلكترون على اللوح الحساس، فإنه يترك آثارا مرئية عليه يمكن تحليلها رياضيا بمساعدة الكمبيوتر لاستخلاص النتائج. وبتعبير آخر، فإن خصائص الإلكترون لا يمكن تحديدها في معزل عن هذه العملية، التي تنقسم إلى إجراءات في منطقة التجهيز وإجراءات في منطقة الاختبار، والجسيم لا يوجد ولا يكون له معنى إلا في هذا السياق الرصدي، إنه ليس كيانا مستقلا، وإنما رابطة تصل بين شقي جملة الرصد. ويجري التأكد من ذلك، إذا أدخل القائمون على التجربة تعديلات على عملية التجهيز أو على عملية القياس؛ لأن خصائص الإلكترون المرصود سوف تتبدل تبعا لذلك. وهذا كله يعني أن الجسيمات ما هي إلا تجريدات ذهنية تفيدنا في التعامل العملي مع العالم الكمومي ولا تتمتع بوجود حقيقي.
سوف تتضح أمامنا هذه الأفكار على غرابتها تدريجيا، وسيكون لنا وقفات مطولة معها لاحقا. أما الآن فعودة ثانية إلى بعض المفاهيم الأولية.
يعتقد معظم الناس بأن الفيزياء إنما تدور حول أشياء لا تتمتع بصفة الحياة، وذلك بعكس الكائنات العضوية الحية. غير أن هذا التمييز بين الحي والجامد قد صار اليوم أكثر مرونة، خصوصا في أعماق عالم الجسيمات، حيث تبدو هذه الجسيمات في التجارب وكأنها تعالج المعلومات وتتصرف وفق قراراتها الخاصة، التي تستند بدورها إلى قرارات تتخذها جسيمات أخرى بعيدة عنها. وأكثر من ذلك؛ فقد بينت بعض التجارب أن تبادل المعلومات بين الجسيمات يجري بشكل آني ودون أن يستغرق زمنا ما مهما كان ضئيلا؛ أي إنها تخرق المطلق الوحيد في عالم الفيزياء، الذي هو سرعة الضوء. وهذا يعني أن الجسيمات تشكل ما يشبه العضوية الواحدة، وأن الكون برمته ليس إلا كيانا عضويا متصلا.
والقصة تبدأ عام 1900م باكتشاف للفيزيائي الألماني ماكس بلانك، يعتبر البداية الفعلية لميكانيك الكم. لقد اكتشف بلانك أن البنية الأساسية للطبيعة هي بنية متقطعة، وكان ذلك في سياق دراسته لإشعاع الأجسام السوداء عند تسخينها. كان الفيزيائيون قبل بلانك يعرفون أن الإشعاع الناجم عن توهج الأجسام المسخنة يحدث نتيجة لاستثارة ذرات الجسم بالحرارة؛ ذلك أن إلكترونات الذرات المستثارة تأخذ بالذبذبة والاهتزاز بتأثير الحرارة التي امتصتها، ثم إنها تشعها بشكل متصل وتدريجي حتى تهدأ وتفقد كل الطاقة المكتسبة. ولكن بلانك قد اكتشف أن الأجسام المسخنة لا تكتسب الطاقة بشكل متصل ثم تشعها بالطريقة نفسها، مثل نابض تم ضغطه ثم ترك لكي يتمدد ثانية، وإنما تكتسب هذه الطاقة ثم تشعها على دفقات منتظمة متقطعة أشبه بالرزم المتساوية أو الوحدات المتماثلة، وكلما شعت مقدارا من هذه الرزم هبطت إلى مستوى طاقي أدنى، حتى تهدأ تماما وتتوقف عن الاهتزاز. وقد اعتمد بلانك مصطلح
Quanta ، أي الكم، للإشارة إلى رزم الطاقة هذه، مدخلا بذلك المفهوم الكمومي إلى عالم الفيزياء، رغم أنه سوف يمر سبع وعشرون سنة قبل أن تتخذ النظرية الكمومية شكلها وتدعى بهذا الاسم.
نامعلوم صفحہ