ذو النورین عثمان بن عفان
ذو النورين عثمان بن عفان
اصناف
وروى الحسن أنه «رآه نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيء الرجل فيجلس إليه، ثم يجيء الرجل فيجلس إليه، كأنه أحدهم.»
وربما أحرج كما يحرج أصحاب الحياء حين يجترئ على حيائهم من هو أولى بتوقيره فيبدر منه بعض ما يسوء مخاطبه، ثم لا يلبث أن يندم على بادرته ويتوب إلى الله، ومن قبيل ذلك غضبه على عمرو بن العاص حين واجهه بالزجر وهو يخطب الناس؛ فثارت ثورته أن يكون هو من يعظه عمرو بمثل ذلك الكلام وما فيه من إغراء بالفتنة عليه، قال عمرو: يا عثمان إنك قد ركبت بالناس النهابير
2
وركبوها منك، فتب إلى الله عز وجل ليتوبوا. فالتفت إليه مغضبا وأجاب قائلا: وأنت هناك يا ابن النابغة؟ ثم لم يلبث أن رفع يديه، وقال: أتوب إلى الله تعالى. ثم كررها فقال: اللهم إني أول تائب إليك.
فهذه شخصية سمحة، تساندت فيها مناقب السماحة، وأوشكت أن تستوفيها على مثال منقطع النظير فيمن عرفناها من الأعلام بين الجاهلية والإسلام: كرم، وحياء، ودعة، ورفق، وأريحية ومروءة تعين على المروءات. فهل يقال على هذا: إنها شخصية سمحة وكفى؟! هل يقال: إنها شخصية خلت من صفات البأس والصرامة، أو كان حظها من هذه الصفات ضئيلا لا يلتفت إليه؟! هل يقال إنها شخصية ضعيفة بكلمة متيقنة لا تردد فيها؟!
من السهل أن يقال ذلك متابعة لجمهرة المؤرخين الذين درجوا على تعليل الحوادث الجلى في عصر عثمان بضعفه واستسلامه لمن حوله، وعلى رأسهم ابن عمه مروان بن الحكم، فإن السهولة هنا توحي إلى المؤرخ أن يختار سبيلها، ويعفي نفسه من النظر إلى طريق غيرها قد يعترضه فيها اعتراض من حيث لا اعتراض على سالك السبيل السهل الذلول.
لكن القول بضعف عثمان صعب على من يعلم أن السماحة نفسها قوة لا يضطلع بها طبع ضعيف، وصعب على من ينظر في أعماله جميعا، ولا يكتفي منها بأعماله التي يبدو عليها الضعف والتردد، ولم يكن عهد من عهود سيرته يخلو من عمل يدل على قوة نفس ومناعة خلق وثبات لا يتزعزع أمام الهول والخطر، وحسبنا من عهود سيرته ما أحاطه بأطرافها من أول إسلامه إلى ختام حياته؛ فقد كان إسلامه تحديا قويا لخاصة أهله ثبت عليه مع بقاء العلية من قومه بين عدو للإسلام أو مسالم له على دخل وسوء نية، وقد تلقى في أول خلافته صدمات لم يتعرض الفاروق لأخطر منها في جميع أيامه ومنها: هزيمة الجيوش، وفناء بعضها بين عوارض الأجواء القصية، وانقضاض الروم والخزر على أطراف الدولة الإسلامية الحديثة، وبعض مواقفه في تلك الأيام لا يمكن الرجوع به إلى رأي مروان بن الحكم، كوصاياه في إعداد الحملات البحرية من المتطوعين بغير إكراه على أحد من المجندين، وليس من السهل أن يوصف بالضعف رجل يحيط به خطر الموت من كل جانب ولا يذعن لمن توعدوه به جهرة ورددوه على مسمعه ليل نهار.
كلا، لا يقول القائل عن رجل كهذا: إنه ضعيف، ثم يستريح إلى قولته، إلا أن يبتغي الراحة ولا يبتغي سواها.
ولكنا نحسب أن مكان عثمان من القوة والعزيمة هو المكان الذي يحتاج إلى التوضيح، ولا يتضح لأول نظرة في سيرته وحوادث عصره، فليس هو بالمكان الذي يتراءى على القرب والبعد كأنه العلم البين الغني عن التوضيح. •••
من الناس من يقتحم طريقه ولا ينتظر من يدله أو يدفعه، بل لعله يقتحمه ويصر على اقتحامه كلما كثر المعارضون له وقل من يدلونه عليه، ومن شأنه أن يحسم تردد المترددين واعتراض المعترضين؛ فلا يلبث أن يقودهم معتزما فينقادوا له معتزمين.
نامعلوم صفحہ