Demolition of the Minaret for Those Who Validate Hadiths of Tawassul and Ziyarah
هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة
ناشر
دار الضياء
ایڈیشن نمبر
الأولى
اشاعت کا سال
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
پبلشر کا مقام
طنطا - مصر
اصناف
هدمُ المنارة لمن صحَّح أحاديث التوسل والزيارة
دراسة حديثية نقدية للمرويّات الواردة في التوسّل والزيارة البدعية وبيان أن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في المنع منهما هو الذي تعضّده الأدلة وأقوال من تقدَّمه من الأئمة والجواب عن اعتراضات بعض المخالفين
تأليف
عمرو عبد المنعم سليم
دَار الضِّيَاء
طنطا - ت: ٣٣٠٧١٤٧
1 / 1
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار الضّيَاء
طنطا - شارع بطرس مع شارع محمد فريد
برج محمد فريد - شقة ١٩
هاتف: ٣٣٠٧١٤٧ - فاكس ٣٣٠٩٦٠٣
1 / 2
هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة
1 / 3
بسم الله الرحمن الرحيم
1 / 4
مُقَدِّمَة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم.
"أما بعد":
فإن من أعظم القربات إلى الله تعالى إسداء المسلمين النصح لبعضهم البعض، بعيدًا عن الفجاجة والتعيير، والشتم والتنفير، إعمالًا لحديث النبي ﷺ: "الدين النصيحة"، قيل: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". (١)
فإذا كان هذا واجبًا بين عموم المسلمين باعتبار نصوص أخرى تفيد هذا الحكم، فهو أوجب بين المنتسبين إلى العلم، والباحثين في أبوابه ومسائله.
إلا أننا نرى اليوم العجب العجاب من تطاول ناشئة الطلاب على
_________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٧٤)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٧) من حديث تميم الداري ﵁.
1 / 5
كبار الأئمة والعلماء والحفاظ، ووصفهم بأوصاف الازدراء، ورميهم بالجهل والضلال، وتتبع زلاتهم، لأجل التشنيع عليهم، والحط من قدرهم، بعبارات أساسها التحريف، وقوامها التدليس.
مع أن كتب العلم الذي يَنْسِبُون أنفسهم إليه لا تخلو من مباحث في فقه الخلاف، وأدب الاعتراض.
وقد شاعت اليوم وانتشرت ظاهرة التضليل، والتجهيل، والتطاول على أهل العلم، لا سيما أهل السنة والجماعة، ويا ليتها تكون بحوثًا علمية يُنتفع بها، أو مساجلات فقهية أو عقدية يُرجع إليها، ولكنها لا تعدوا كونها نقولًا محرَّفة، أو مذاهب مرجوحة، أو أقوالًا مطروحة، يُحشد لها خيول الأحاديث الساقطة، وركاب الأخبار الواهية.
وبعد ....
فقد رأيت كتابًا لأحد الباحثين (١) تناول فيه مسألة التوسل
_________
(١) وهذا الباحث المشار إليه هو ذاك المدعو: محمود سعيد ممدوح، وكتابه المومأ إليه هو كتاب: "رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة"، وله عدة مصنفات أخرى سار فيها على نفس منهجه في هذا الكتاب، من كيل السباب للأئمة الأعلام، لا سيما الشيخ الألباني حفظه الله، فبعد أن كان متخرجًا على كتبه، واصفًا له بالعلم والإمامة والتقدُّم، عاد ذامًا له، لا يخلو كتاب من كتبه من التعرض للشيخ حفظه الله، وانظر ما خطه هو بيمينه في الثناء عليه، والتقديم له على غيره في مقدمة كتاب "آداب الزفاف" للشيخ الألباني.
1 / 6
والزيارة بالدراسة، من تخريج الأحاديث والآثار التي وردت فيهما بالجواز، وتقرير مذهب بعض أهل العلم ممن يقولون بجواز ذلك.
ويا ليت مؤلفه أراد الإنصاف والمساجلة العلمية، وإنما كان ديدنه كيل السباب والاتهام لأئمة أهل السنة والجماعة وعلمائهم، لا سيما المعاصرين منهم.
فأطلق اللسان في شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن عبد الهادي، ومجدد عصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أجمعين -.
وزاد فأطلق اللسان في الشيخ الجليل، والعالم الرباني، علَّامة العصر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى -، ومحدِّث المدينة النبوية والديار السعودية الشيخ حماد الأنصاري ﵀، والشيخ الرباني محمد الصالح العثيمين، ومحدِّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ صالح الفوزان، وأبي بكر الجزائري - حفظهم الله أجمعين -.
بل زاد في التحريف: أن نسب إلى بعضهم القول بتكفير المسلمين والعياذ بالله.
ومع أن الباحث المومأ إليه قد قرر في أول كتابه أن مسألة التوسل من مسائل الفقه، وأنها من المسائل المختلف فيها، وعبارته التي نقضها باتهام العلماء، كما وردت في كتابه:
1 / 7
"أن الخلاف في مسألة التوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يُشَنع به أخ على أخيه، أو يعيبه به".
إلا أنه لم يلتزم بهذا القول في كتابه، بل التزم فيه خلاف ما سطره العلماء في أدب الخلاف.
فلم يكن من أمره في حق العلماء إلا ما ذكرت، بل زاد في الأمر ووصف جماعة من أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره بأنهم نواصب، وذلك لأنهم اتفقوا على جرح عطية العوفي.
هذا بخلاف ما تبناه من الغالطة والتدليس، وليِّ ألفاظ الجرح والتعديل الواردة عن العلماء أئمة الدين بما يتناسب مع ما يؤيد هواه من تعديل أو تجريح.
فكم من راوٍ اتفقت كلمات العلماء على تجريحه، وإسقاط الاحتجاج بحديثه كعطية العوفي، وعبد الله العمري، وروح بن صلاح، فيبادر هو بالاحتجاج بما لا يحسن الاحتجاج به عند أهل العلم من توثيق المتساهلين في التعديل كابن حبان، وابن عدي، والعجلي، ويرد الجروح المفسرة بمثل هذه التعديلات.
بل تراه يبتدع ويُحدث منهاجًا جديدًا في التوثيق، فكلما وردت عبارة عن إمام في المقارنة بين ثقة وضعيف، احتج بهذه المقارنة على توثيق الضعيف.
وأما بتر عبارات العلماء في الجرح والتعديل فلن تخفى عن
1 / 8
القاريء الكرريم، ولها أمثلة كثيرة قد ذكرناها في ثنايا الكتاب.
وكذلك اضطرابه في وصف العلماء تارة بالتحقيق إن ورد عن أحدهم ما يؤيد قوله، وإن كان مخالفًا لقول الجمهور، وتارة بالسرف والمبالغة والتشنيع، إن خالف حكمهم حكمه.
ومن ذلك أيضًا مخالفته لذهب الأئمة المتأخرين في التقوية، وخروجه في ذلك عن تقوية الحديث الحتمل الضعف بمثيله، إلى التقوية بالأحاديث شديدة الضعف بعضها ببعض.
فتراه يُقَوِّي الشاذ بالمرسل، وقد اشترط العلماء في التحسين بمجموع الطرق أن لا يكون الحديث أو المتابع أو الشاهد شاذًا ولا منكرًا، ولا معللًا، ويقوِّي الحديث الذي فيه إبهام في السند، أو إعضال، أو فيه مجهول عين بمثيله، وكل هذه الأنواع شديدة الضعف لا تُقَوِّي، ولا تَتَقَوَّى.
ومن ذلك أيضًا اعتماده على عمل أحد الأئمة بحديث ضعيف للحكم عليه بالقبول، وهذه مسألة شائكة، وقد تساهل فيها كثير من المتأخرين، وإنما الحجة في إجماع أهل العلم، لا في ذات الحديث الضعيف.
وغيرها من المخالفات العلمية التي سوف تمر بالقاريء في هذا الكتاب.
هذا بالإضافة إلى أنه لما ذكر كلام أهل العلم في هذه المسألة،
1 / 9
ذكر عنهم ما يؤيد قوله، ولم ينقل عن غيرهم من أهل العلم المعتبرين ما يخالف قولهم، وموَّه على القراء الكرام بأن هذه المسألة مما تفرد به شيخ الإسلام، وأنها من شواذه! ! .
ولما كان الأمر على هذا النحو المذكور، من التطاول في أعراض العلماء المعتبرين، والتعدي عليهم بما لا يصح عنهم، وإطلاق اللسان فيهم، بالإضافة إلى تلك المغالطات العلمية، وعدم النزاهة في النقل والتحقيق والترجيح، فقد استخرت الله تعالى في تناول هذا الباب، أقصد التوسل والزيارة بالبيان والتوضيح والتحقيق لأخباره الواردة بالمنع والإباحة، والترجيح لين المذهبين طبقًا للقواعد العلمية، ثم التعريج على ذِكْرِ ما ورد في الكتاب المومأ إليه من الشبهات والمغالطات والطعن في العلماء، والاعتراضات على تضعيف الأحاديث الضعيفة والواهية، وبيان ما يخالف ذلك من حقائق الأمور، بكل إنصاف وتجرد، وأسميته:
"هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة".
* وقد جعلته أبوابًا:
* الباب الأول:
في بيان موقف شيخ الإسلام ﵀ من مسألة التوسل، وشد الرحال بالزيارة، وإثبات أنه قد وافق بقوله في منع التوسل جماعة من العلماء الذين سبقوه، وأن فتواه في منع شد الرحال إلى
1 / 10
قبور الأنبياء والصالحين والسفر إليها لم يتفرد بها، بل وافقه فيها جماعة من أجلة العلماء ومحققيهم ممن سبقوه، وبيان أنه لم يمنع من زيارة القبور، لا سيما قبر النبي ﷺ، وإنما منع شد الرحال لأجلها، وذكرت الأدلة الصحيحة المعضدة لهذه الأقوال المعتبرة.
* الباب الثاني:
وهو من أكبر الأبواب، ويحتل تقريبًا ثلثي الكتاب، وفيه ذكر الأدلة التي اعترض بها المؤلف على كلام شيخ الإسلام، وهي حجج كثيرٍ ممن يجيز التوسل أو شد الرحال لأجل زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وبيان ما فيها من الضعف والوهاء والوضح، ومناقشته في ترجيحاته، وبيان مغالطاته، وإثبات أن قول شيخ الإسلام في الأحاديث الواردة في الباب هو القول الراجح.
* الباب الثالث:
في ذكر اعتداءات المعترض على أهل العلم، وذكر عباراته الفجة القبيحة فيهم، وبيان ما لهم من الفضل والتقدمة في العلم والدفاع عن السنة، ونشر الفضائل بين الناس.
وطريقتي في الاستدراك:
أن أذكر ما اعترض به المعترض بين قوسين، وأقدِّمه بقولي: "قال المؤلف: .... "، ثم أورد جوابي عن اعتراضاته.
1 / 11
فأسأل الله العظيم، أن يوفقني في هذا الكتاب، وأن يؤيدني بالحق، وأن يرزقني الإنصاف والإخلاص، وأن يكون هذا التبيين لأجل النصح والتحذير، لا لأجل الشين والتشهير، والله الموفق.
وكتب: أبو عبد الرحمن
عمرو عبد المنعم سليم
1 / 12
الباب الأول التوسل وأنواعه وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من التوسل بالجاه وذكر من قال بمذهبه ممن تقدَّمه من أهل العلم
* الزيارة وأقسامها* وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منها وذكر من قال بمذهبه ممن تقدَّمه من أهل العلم وأدلتهم على ذلك وما روي عن بعض السلف والأئمة من الآثار الضعيفة والواهية في التوسل والزيارة
1 / 13
موقف شيخ الإسلام من مسألة التوسل وذكر من وافقه من أهل العلم المتقدِّمين
من تتبع مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وفتاويه، لا سيما ما صنَّفه في هاتين المسألتين، ككتاب: "التوسل والوسيلة"، و"اقتضاء الصراط المستقيم"، يجد أنه لم يمنع من عموم التوسل، وإنما ذهب إلى جواز التوسل إلى الله، وجعله ثلاثة أنواع:
الأول: التوسل إليه بأسمائه وصفاته.
الثاني: التوسل إليه بصالح الأعمال والطاعات والإيمان.
الثالث: التوسل إليه بدعاء الصالحين.
وأما النوع الذي ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى حرمته وعدم جوازه: السؤال على الله أو التوسل بذاته ﷺ.
قال ﵀: (١)
"فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته، ولا بعد مماته، ولا عند قبره، ولا غير قبره، ولا يُعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما يُنقل شيء من ذلك في
_________
(١) انظر "التوسل والوسيلة": (ص: ٥٠).
1 / 15
أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة".
قلت: وهذا هو الصحيح الراجح في هذه المسألة، فإنه لا يدل دليل صحيح قط على جواز التوسل بالذات أو الإقسام بذات النبي ﷺ على الله فضلًا عن غيره ﷺ من سائر الأنبياء والصالحين، بل الذي صح في السنة تحريم القسم بغير الله، كما سوف يأتي بيانه قريبًا.
وأما المؤلف فقد حرص أشد الحرص على إقناع القراء بأن هذا القول مما استأثر به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأنه من جملة شذوذه! ! .
بل زاد في ذلك فأتى ببعض العبارات عن شيخ الإسلام الوهمة بأن هذا النوع من التوسل قد أجازه جماعة من السلف، فقال (ص: ١٨):
(ولم يقع هذا التشدد إلا في القرن السابع وما بعده، وقد نُقل عن السلف توسل من هذا القبيل.
قال ابن تيمية في "التوسل والوسيلة" (ص: ٩٨):
هذا الدعاء -[أي الذي فيه توسل بالنبي ﷺ] ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المرُّوذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء.
وقال (ص: ٦٥):
1 / 16
والسؤال به -[أي بالمخلوق]- فهذا يجوِّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس).
قلت: وهذا الكلام لا يناقض ما رجحه شيخ الإسلام ﵀ من أن هذا النوع من التوسل غير جائز، لا سيما وأن المؤلف نفسه قد أثبت أن هذه المسائل من مسائل الخلاف، فقال (ص: ٧):
(الخلاف في مسألة التوسل خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع به أخ على أخيه أو يعيبه به).
وما كان من خلاف الفروع، فهو محتمل، فلا أدري لماذا شنَّع بها المؤلف على شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلماء العصر في الديار السعودية - حرسها الله - والشيخ الألباني - رعاه الله وأيده ونصره -.
وأما ما أورده المؤلف نقلًا عن شيخ الإسلام من قوله:
"قد روي أنه دعا به السلف".
و: "ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف".
لإثبات ذلك عن السلف غير مُسلم له، فإن قوله "رُوي"، وقوله: "نُقل" لا يقتضيان صحة ذلك، بل قد صرح شيخ الإسلام بأن هذه الآثار لا تثبت، بعد أن نقل جملة منها من كتاب "مجابي الدعوة" لابن أبي الدنيا، ونقدها.
قال (ص: ٩٦) من "التوسل":
1 / 17
"وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة".
قد تقدَّم النقل عنه ﵀ أنه قال:
"وإنما يُنقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة".
بل قد أورد المؤلف بعض الآثار في ذلك، وقد بينا ما فيها من ضعف، كما سوف يأتي ذكره وبيانه. (١)
وأما ما نقله عن أحمد، فهذا مجمل، ولم يُفصل بأي شيء يتوسل به، هل بذاته أو بالإيمان به، وبطاعته، واتباعه.
قال شيخ الإسلام (ص: ٩٨):
"ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، ونهى عنه آخرون، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يُردُّ إلى الله والرسول".
قلت: وهذا هو الحق المبين، والنور الأبلج، فإن المسلمين لا
_________
(١) ثم وجدت أنه من المناسب جدًّا أن أعقد فصلًا في هذا الباب أورد فيه جملة مما روي عن السلف والأئمة في جواز التوسل والتلوذ بالقبر النبوي، وأبين ما فيها من الضعف والنكارة، تدليلًا على صحة مقولة شيخ الإسلام ﵀ في ضعف الآثار الواردة في ذلك.
1 / 18
يتعبدون الله بأقوال العلماء وأحكامهم، وإنما يتعبدونه بنصوص الكتاب، وصحيح السنة، مما ثبت عن النبي ﷺ، وما أجمعوا عليه مما لا خلاف فيه.
والتوسل بأحد المخلوقات في الدعاء من الأمور التعبدية التي لا تحل إلا بتوقيف يجيزها، وليس ثمة ما يدل على ذلك، بل الذي علُم بالضرورة من نصوص السنة أن الصحابة ﵃ أجمعين - كانوا يتوسلون إلى الله تعالى في حياة النبي ﷺ بدعائه، لا بذاته، وهذا ظاهر مما ورد في طلب الاستسقاء، واستشفاع الضرير بالنبي ﷺ، وهما حديثان صحيحان، وسوف يرد ذكرها ضمن الأدلة التي احتج بها المؤلف على جواز التوسل.
ثم بعد موته فقد كانوا يتوسلون بدعاء أهل الخير والصلاح، لا سيما إن كانوا من آل بيت النبي ﷺ، كما توسل عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء عم النبي ﷺ العباس بن عبد الطلب ﵁، فلو كان التوسل بجاه النبي ﷺ جائزًا، لكان توسل عمر به أولى من توسله بالعباس ﵁.
وهذا الأثر من أقوى ما يتمسك به. المتوسلون، وهو عمدتهم في الاحتجاج على جواز التوسل بالذوات، مع أن أهل العلم الذين تقدَّموا شيخ الإسلام قد حملوا هذا الأثر على أنه توسل بالدعاء لا بالذات، فأنا أذكر أقوالهم، بيانًا على ما ذكرناه من أن شيخ الإسلام
1 / 19
لم يتفرد بمثل هذه الفتوى أو المذهب، فمن هؤلاء:
الإمام البيهقي، فقد حمل هذا الأثر على ما ذكرناه، فبوَّب له في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٥٢):
[باب: الاستسقاء بمن تُرجى بركة دعائه]
وكذا فعل الموفق المقدسي ﵀ فقال في "المغني" (٢/ ٤٣٩):
"ويُستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم النبي ﷺ، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك ﷺ، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله ﷿، وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت إلى الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
وهو ظاهر قول الشيرازي في "المهذب"، قال:
"ويُستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله ﷺ لأن عمر رضي الله
1 / 20
عنه استسقى بالعباس .....، ويُستسقى بأهل الصلاح، لما روي أن
معاوية استسقى بيزيد بن الأسود .....، ويُستسقى بالشيوخ
والصبيان لقوله ﷺ: لولا صبيان رضع، وبهائم رتع، وعباد لله ركع لصب عليهم العذاب صبًّا".
فتبين أن ذلك مرده إلى الصلاح، والإخلاص في الدعاء، والضعف لأهل الضعف، ولم يقل أحد بجواز التوسل بجاه الشيوخ أو الصبيان.
وقد نقل النووي في "المجموع شرح المهذب" ما يؤيد ذلك عن القاضي حسين، والروياني، والرافعي، قال (٥/ ٧٣):
"يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول الله ﷺ .... قال القاضي حسن، والروياني، والرافعي وآخرون من أصحابنا: ويستحب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما فعله من الطاعة الجليلة، ويتشفع به ويتوسل ... ".
وعلى فرض التسليم للمؤلف بجواز التوسل بالنبي ﷺ، فهو حكم خاص به ﷺ، لا يتعداه إلى غيره من الصالحين، وهو ما رجحه العز بن عبد السلام.
فقد سئل في فتاويه (رقم: ١٠٢):
عن الداعي يُقسم على الله تعالى بمُعَظَّم من خلقه في دعائه كالنبي ﷺ، والولي، والملك، هل يُكره له ذلك أم لا؟
1 / 21