عثمانی ریاست
الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده
اصناف
والعالم منذ نشأته أخذ وعطاء ودين ووفاء، فليس بالكثير علينا أن نتلقى ببضع سنين ما أدركوه بجهاد القرون الطوال، فقد سبق لهم أن اختزنوا بزمن يسير كل ما جمعه أسلافنا ذرة ذرة من علم وتمدن واختراع بسالف العصور فحفظوا منه ما شاءوا ونبذوا ما شاءوا، وهذا لم يكن بالفرض الواجب علينا أن نطبق كل تمدننا على كل تمدنهم بما له من الحسنات والسيئات، ولا يصعب علينا ونحن أول مراقيه أن نختار حسناته ونضم إليها ما وافق حالة جونا وتربتنا، فنبتدع لنا تمدنا شرقيا صافيا من شوائب الفساد والترف، الذي يعود بنا القهقرى فيؤدي إلى الانحطاط والانحلال.
وليزد أبناء الوطن ثقة وطمأنينة بعلمهم أن الدول تدول وتنقرض، وأما الأمم فلا تنقرض ولا تتلاشى، بل تبقى حية ما حيي الناس، وقد تتحول من حال إلى حال فتنحط وترتقي وتندمج بغيرها، وقد تفرق وتتوزع أفرادها في المجتمع البشري فتفقد وطنيتها الأولى. ونحن - والحمد لله - لم نزل في مواضعنا فلم نزل أمة حية، وإن جميع ما ظهر فينا من الانحطاط وفقد الوطنية إنما هو عارض زال بانقراض دولة الاستبداد، فليس في سبيلنا ما يعوقنا عن بلوغ أسمى مبالغ الأمم، وإن أعظم عقبة يتذرع بها الأعداء إلى صدنا عن بلوغ تلك الأمنية إنما هي استحياء روح التضاغن بيننا، وهي العقبة التي يسعى جميع العثمانيين الآن إلى تحطيمها ومحو آثارها، وهم بالغون مآربهم منها عما قريب - إن شاء الله.
وليست شقة الإصلاح بالشقة البعيدة على ما يتوهم الجالسون على سرر الرفاه، فالساعي اليقظ يقطع مئات الأميال والخامل الوسنان يتكئ على منصة خموله، فالزمن زمن جد وسعي. وحسب هذه الأمة أن يسعى أبناؤها فيجروا وراءهم قسرا كل متقاعس هياب. فلقد مرت على هذه الدولة قرون وهي صاعدة في سلم الارتقاء ثم عقبها قرنان تعاقب فيهما الجمود والانحطاط إلا فترات نهضة يسيرة لم تستحكم معداتها، ولقد مرت كل تلك القرون مر السحاب، فإذا حسبنا لإيناع ثمار هذه النهضة الأخيرة ربع قرن فخمس وعشرون سنة ليست بالأمد المديد في عمر أمة طوت القرون، وما هي إلا بمثابة شهور في عمر إنسان، وخمس وعشرون سنة من وجه آخر ليست بالزمن القليل لأمة ناهضة راغبة في استكمال جميع معدات الإصلاح بعد نيل حريتها، والحرية أم العجائب.
لم تكد تمر أيام على إعلان الدستور حتى انقلب وجه هذه المملكة انقلابا معنويا تاما فزال الشقاق وساد الوفاق، وانطلقت الأفكار والألسنة والأقلام وتكسرت قيود المظالم والمغارم، ولا ريب أن الانقلاب المعنوي طليعة الانقلاب الحسي. فأغمض جفنيك وانظر بعين الخيال إلى ما يكون من شأن هذه الدولة بعد ربع قرن إذا ظللنا مثابرين على السير في هذا السبيل.
أفلا ترى العائش منا بعد هذه السنين يرى جميع أبناء هذا الوطن قد أدركوا معنى الحرية الصحيحة، وعرفوا ما لهم وما عليهم وأوثقوا عرى الإخاء والسواء فأصبحوا أنفسا متعددة في جسم واحد يعمل عملا واحدا؟
أولا يرى أيضا أنه بانطلاق الحرية الشخصية المقيدة بقيود الحقوق وفروض العدل والذمة تنمو سائر فروع الحرية، فتتسع معاهد العلم لكل أنواع العلوم مما كان مباحا وما كان محظورا، وأن ربع قرن يكفي لتخريج ناشئة جديدة على نفس جديد وروح جديدة لم تتأثر بشيء من مؤثرات الاستبداد، بل تحفظ ذكراها حفظا يسهل لها الموت في سبيل الذود عن حياض أنفسها؟
أولا يكفي هذا الزمن لجعل صحافتنا وأربابها مثار الرأي العام وقادة الأفكار ترتقي الرقي الصحيح إلى ما يجعلها نبراسا يفيض نورا على أكناف هذا الملك المتسع، فيبث روح حب الاطلاع، روح المثابرة على التقدم والتضافر على العمل، وإلى جانب الصحافيين الكتاب والشعراء وقد أطلقت الحرية أقلامهم ينشئون المجلات الباحثة في جميع الشئون العلمية والاقتصادية ويؤلفون وينظمون ويزيلون جميع ما بقي من أغشية الجهل القديم. وإلى جانبهم العلماء يشتغلون اشتغالا صحيحا بالعلم فلا يروعهم إذا نظروا في تركيب كيميوي أن يتهموا بإعداد الآلات القتالة، ولا إذا نقبوا في بطن الأرض أن يقال إنهم يفتحون مدفنا لأعداء العلم، ولا إذا اجتمعوا للبحث في معضلة أن يذاع أنهم يتآمرون للفتك بأعداء الحق، وأن اشتغالهم وحريتهم لهم كل هذا الزمن ليس بالعمل العقيم؟
وما عسى أن يقال عن أعمال الجمعيات وقد خلا لها الجو ربع قرن فتتألف أنواعا وأصنافا مما يضم العثمانيين من طلبة مدارسهم إلى شيوخ ساستهم وعلمائهم، فتتناول التربية والآداب والمباحث العلمية، وتتخطى إلى النظر في موارد ثروة البلاد ووسائل استخراجها وتتطرق إلى مباحث الاكتشاف والاختراع؟
بل ما عسى أن يقال عما تبلغه المرأة العثمانية في خمس وعشرين سنة، وهي القوام الأعظم لكل تمدن حقيقي ثابت، وهي نصف هذا الجسم فلا تصح حياته إلى بصحة حياتها، وهي العون الأكبر للرجل في رجوليته ومربيته في طفوليته ورفيقه في عزلته ومؤاسيته في شدته، وإليها مرجع الفضل في تثقيف العقول النامية وإنبات غرس الفضائل فيها، ولكم حفظ لها التاريخ في الجاهلية والإسلام ودول الحضارة من مأثرة يفاخر عظام الرجال بإحراز أمثالها. وإنه يسرنا أن نفاخر أيضا أنه كان للمرأة التركية يد قوية في نهضتنا الحديثة، فلقد ناضلت وجاهدت وخاطرت بنفسها، فكان لها بذلك فخر يسطر بمداد النسب فإذا كان هذا شأنها في زمن الاستبداد، فما عسى أن يكون بعد خمسة وعشرين عاما، إذ تكون هذه النفحة الطيبة قد سرت منها إلى سائر أخواتها من بنات هذه الأمة في كل صقع وناد وأعدت المدارس للبنات إعدادها للبنين، وانقشعت غياهب الجهل المغشية بظلم الرجال على عقول النساء، فلا ريب أن المرأة العثمانية تدخر في تربية النابتة الجديدة فضلا يعم الذكور والإناث، وتحرز في توطيد دعائم هذه النهضة فضلا لا يقل عن فضل مكافحة الرجل في معترك السياسة وميادين الذود عن الأوطان.
وليست الخمس والعشرون سنة بالزمن اليسير بالنظر إلى إعداد نجباء الفتيان في مدارس الحكومة والمدارس الوطنية لتولي مناصب الحكومة عن علم صحيح ولياقة تامة في جميع فروع الإدارة والقضاء والسياسة والجندية، فانظر ماذا تكون حالة البلاد يوم تتولى المناصب أربابها الذين أعدوا لها، وما ينجم من استتباب الأمن وسيادة العدل، وما يكون من غيرة المأمورين وجهدهم يوم يعلمون أن الواحد منهم يرتقي بجده وإخلاص خدمته، وإن غيث الرتب والأوسمة المختلسة قد انحبس عن كل متزلف مداهن، وانظر بعد هذا ماذا يكون من طمأنينة الفلاح والصانع والعامل والتاجر بعد إصلاح الطريقة الشائعة في جباية الأموال ووضع حد لكل من حقوق الحكام والمأمورين.
نامعلوم صفحہ