الفرق واضح بين مجرد تصورنا لفكرة معينة، وبين أن نحكم بوجود الشيء الذي تمثله هذه الفكرة، فتستطيع - مثلا - أن تتصور فكرة عن كائن ذي صفات محددة معلومة، دون أن تضيف إلى هذا التصور اعتقادا في وجود ذلك الكائن وجودا عينيا في عالم الأشياء؛ ومع هذا الفرق الواضح بين الحالتين، فليس الفرق هو في إضافة عناصر جديدة في الحالة الثانية إلى ما كانت عليه الفكرة في الحالة الأولى، بحيث تصبح الفكرة اعتقادا؛ ذلك أن فكرة «الوجود» لا تختلف في شيء قط عن فكرة الشيء الذي ننعته بالوجود؛ تصور شيئا ما، ثم تصور أن ذلك الشيء موجود وجودا حقيقيا، فلن تجد فرقا بين الحالتين، أي إن تصورك لذلك الشيء باعتباره موجودا وجودا عينيا، لا يزيد ولا ينقص ولا يختلف عن مجرد تصورك له تصورا عقليا؛ وتطبيقا لهذا نقول إننا حين نقرر أن «الله» موجود فلسنا نضيف شيئا ولا ننقص شيئا ولا نغير شيئا من مجرد تصورنا لفكرة «الله»؛ بعبارة أخرى، إن «الوجود» ليس صفة تضاف إلى سائر صفاته التي منها تتكون فكرتنا عنه، فلو فرضنا مثلا أن فكرتنا عنه قوامها هذه العناصر: ا، ب، ج؛ فإن اعتقادنا في وجوده لا يزيد من هذه العناصر شيئا، فستظل الفكرة - بعد الاعتقاد في وجوده كما كانت قبل الاعتقاد في وجوده - مكونة من العناصر ا، ب، ج؛ وإذن ف «الوجود» ليس له فكرة خاصة به، تضاف أو تحذف من فكرتنا عن شيء معين نقول عنه إنه موجود، ومع ذلك كله فلا نزال نقرر أن ثمة فرقا واضحا بين أن أتصور فكرة معينة لكائن معين، وبين أن أعتقد في أن ذلك الكائن الذي تصورت فكرته في ذهني موجود؛ ولما كان هذا الفرق - كما أوضحنا - ليس في مقومات الفكرة نفسها، إذن فلا بد أن يكون ناتجا عن «الطريقة» التي نتصور بها الفكرة؛ أي إن صورة الفكرة ترتسم في أذهاننا على نحو ما فتكون مجرد فكرة، ثم ترتسم على نحو آخر فتصبح اعتقادا في وجود الشيء الذي تمثله تلك الفكرة.
إذا زعم لي زاعم من القضايا ما لست أعتقد في صوابه، فقال لي - مثلا - إن قيصر مات في مخدعه، أو أن الفضة أكثر قابلية للانصهار من الرصاص، أو أن الزئبق أثقل من الذهب، فعدم اعتقادي في صدق هذه الأفكار لا يغير من قوامها في ذهني، فمن الممكن أن أتصورها كما يتصورها زميلي الذي زعمها لي، بحيث لا يكون ثمة فرق بين صورها في ذهني وصورها في ذهنه؛ وإذن فالاعتقاد أو عدم الاعتقاد لا شأن له بعناصر الفكرة ذاتها، فليست الأفكار في ذهن المعتقد في صوابها بأكثر في عناصرها منها في ذهن غير المعتقد؛ لكنه لا مراء في أن ثمة فرقا بين الفكرة في حالة الاعتقاد وحالة عدم الاعتقاد في صوابها، وأعود فأسأل: ماذا عسى أن يكون الفرق بين الحالتين؟ والجواب عن هذا السؤال يسير حين يكون اعتقادنا في صدق الفكرة، أو صدق القضية التي نتصورها، مستمدا إما من الحدس أو من البرهان الاستنباطي، لكنه يحتاج إلى شيء من التوضيح حين يكون اعتقادنا ذاك مستمدا من علاقة السبب بمسببه أي حين يكون اعتقادنا خاصا بأمور الواقع، وليس محصورا في عالم الأفكار وحدها يستدل فكرة من فكرة.
ذلك أن هيوم يقسم القضايا - صادقها وكاذبها على السواء - قسمين: فقضايا تقرر عن شيء معين أنه موجود الآن، أو كان موجودا ذات يوم أو سيظهر في حيز الوجود بعد حين؛ وقضايا لا تقرر الوجود عن شيء، ومن القضايا التي ليس من شأنها أن تقرر وجود الشيء الذي تتحدث عنه قضايا الرياضة كقولنا إن 2 + 2 = 4، أو إن زوايا المثلث تساوي قائمتين، ومنها كذلك القضايا التي لا تخرج عن كونها إثباتا لمعاني الألفاظ التي نتحدث عنها، كقولنا مثلا إن الأسود والأبيض ليسا متشابهين، ويرى هيوم أن الشروط اللازمة للحكم على أمثال هذه القضايا التي لا تتحدث عن وجود شيء مختلفة عن الشروط اللازمة للحكم على النوع الآخر من القضايا التي تقرر أن شيئا ما ذو وجود فعلي حقيقي.
أما القضايا اللاوجودية (أي التي لا يقتضي صدقها أن يكون الشيء الذي تتحدث عنه موجودا وجودا فعليا) فنحكم عليها بالصدق بإحدى وسيلتين: فنحكم بالصدق على بعضها بالحدس (أي العيان العقلي المباشر) ونحكم بالصدق على بعضها الآخر بالبرهان الاستنباطي الذي يبرهن على صدق النتيجة بالإشارة إلى المقدمة التي لزمت عنها تلك النتيجة لزوما ضروريا، كما نفعل في الرياضة مثلا ... فاعتقادنا في صواب القضية اللاوجودية - عند هيوم - ينبني على إدراكنا الحدسي أو على إقامة البرهان الاستنباطي؛ وهو ينبني على الإدراك الحدسي، حين لا يقتضي منك الأمر إزاء القضية التي تحكم بصوابها سوى أن تفهم ألفاظها، وهذا وحده كاف لتدرك من فورك أنها صادقة أو غير صادقة كأنما أنت عندئذ ترى بعين عقلك رؤية مباشرة؛ ومن قبيل ذلك ما يسمى في الرياضة - مثلا - بالبديهيات، كأن نقول مثلا إن الأشياء التي يتساوى كل منها مع شيء معين، تكون بالتالي مساوية بعضها لبعض؛ فحسبك هنا أن تدرك معنى «التساوي» لتدرك على الفور أن الجملة صواب، لأن صوابها واضح بذاته كما يقولون؛ وأما الصواب المنبني حكمه على البرهان الاستنباطي فهو - كما أسلفنا - أن تقدم مقدمة صدقها مفروض، ثم تستخرج منها حقيقة كامنة فيها، فتكون هذه النتيجة المستخرجة صوابا ما دامت مقدمتها صحيحة.
هكذا يقول هيوم عن القضية اللاوجودية إن طريقة الاعتقاد في صوابها يسير هين، ولكن الأمر يحتاج إلى توضيح وشرح بالنسبة إلى النوع الآخر من القضايا، القضايا الوجودية التي تقرر الواحدة منها عن شيء ما معين أنه موجود وجودا فعليا، أو أنه - إذا لم يكن موجودا هذه اللحظة الراهنة - فقد كان موجودا في لحظة مضت أو سيكون موجودا في لحظة آتية؛ فما سبيلنا إلى الاعتقاد في أمثال هذه القضايا؟
هناك حالات ثلاث: فإما أن أكون في حالة إدراك حسي مباشر للشيء الذي أقول عنه إنه موجود، كأن أحكم على القلم الذي في يدي الآن بالوجود لأني أراه بعيني وأحسه بأصابعي؛ وإما أن أحكم على الشيء بأنه كان موجودا لأنني أستعيد في ذهني صورة ذهنية لانطباع حسي وقع على إحدى حواسي في تلك اللحظة الماضية، كأن أذكر أنني بالأمس رأيت صديقي فلانا أو سمعت صوته، والحالة الثالثة - وهي ليست ببساطة الحالتين المذكورتين - وهي حين أحكم بوجود شيء وجودا فعليا، لا لأن له انطباعا مباشرا على إحدى حواسي، ولا لأني أستعيد في ذهني فكرة عن مثل هذا الانطباع الذي ربما يكون قد وقع لي في الماضي، بل لأنه يرتبط ارتباطا سببيا بشيء مما قد انطبعت به حواسي، بحيث أستطيع أن أقول إنه يستحيل أن تكون حاسة البصر - مثلا - قد انطبعت بكذا وكذا دون أن يكون الشيء الفلاني موجودا أيضا، لأنه يرتبط بانطباعاتي الحسية ارتباطا سببيا؛ مثال ذلك أن أرى ضوء القمر في غرفتي - ولا أرى القمر نفسه - فأحكم بوجود القمر وجودا فعليا، لا لأني رأيته مباشرة، بل لأن انطباعي الحسي - أعني ضوء القمر في غرفتي - لم يكن ليوجد بغير وجود القمر نفسه، لأنهما مرتبطان معا ارتباطا سببيا.
80
إننا نبحث الآن عن حقيقة «الاعتقاد» وطبيعته، حين تكون في رءوسنا فكرة معينة «نعتقد» أنها صواب؛ وقد قلنا بادئ ذي بدء ألا فرق من حيث عناصر الفكرة ومقوماتها بين مجرد تصور الفكرة على أنها فكرة وكفى، وبين «الاعتقاد» بأنها فكرة صائبة؛ ولكن هنالك بالبداهة فرقا بين الحالتين، فماذا عسى أن يكون هذا الفرق إذا لم يكن فرقا في عناصر الفكرة ومقوماتها؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال قلنا إن الفرق كائن في «طريقة» التصور، لا في مادته ومضمونه؛ لكن هذه التفرقة وحدها لا تكفي لتوضيح «الاعتقاد» وطبيعته، فلنمض في محاولتنا تحديد الموقف وحقيقته حين يحكم الإنسان على فكرة معينة لديه بأنها صادقة.
إن مبدأنا العام في المعرفة الإنسانية كلها هو أنها نوعان لا ثالث لهما، فهي إما «انطباعات» تقع على الحواس مباشرة، أو أفكار تكون هي نفسها الانطباعات بعد أن تزول محدثاتها من أمام الحس فتبقي صورا ذهنية لا تختلف عن الانطباعات في حالتها الأولى إلا من حيث درجة الوضوح والنصوع؛ الفكرة هي الانطباع الذي أحدثها، أو إن شئت فقل هي نسخة من الانطباع الذي أحدثها، لا تختلف عنه في أجزائها ومضمونها، بل في قوتها فحسب، فبينما الانطباع جلي ناصع تكون الفكرة أقل وضوحا وأبهت لونا؛ فلو كانت الفكرة مختلفة عن انطباع معين، لم تكن هي فكرة ذلك الانطباع، بل فكرة الانطباع الذي يساويها في المضمون والفحوى، من هذا كله يتبين أن «الاعتقاد» في فكرة ما لا يغير من مضمونها وأجزائها، وكل ما يصنعه فيها هو أن يزيد الفكرة وضوحا ونصوعا؛ «الاعتقاد» في فكرة معينة يضيف إلى قوتها وحيويتها، لكنه لا يغير منها شيئا؛ وإذن ففي مستطاعنا أن نعرف «الرأي» أو «الاعتقاد» أدق تعريف بقولنا إنه «فكرة ناصعة متصلة أو مرتبطة بانطباع حسي راهن.»
نامعلوم صفحہ