وما دام العقل لا ينفي أن يتحرك الحجر في أي اتجاه، إذن فالخبرة هي مصدرنا في العلم بأن الاتجاه الفعلي للحجر - بين الممكنات الكثيرة - هو الاتجاه إلى أسفل.
إنني إذا شهدت كرة من كرات البلياردو متحركة في اتجاه كرة أخرى ساكنة، فهل يقضي العقل المجرد بضرورة أن تتحرك الكرة الأخرى إذا ما مستها الأولى؟ ألا يمكن عقلا تصور أن تسكن الكرتان معا؟ ألا يمكن عقلا أن تصدم الكرة المتحركة الكرة الساكنة وبدل أن تحركها تعود هي مرتدة، أو تقفز فوقها ثم تسير في أي اتجاه؟ هذه كلها أوضاع ممكنة عند العقل الصرف، ولا مبرر - من حيث التفكير العقلي الخالص - يجيز لنا أن نفضل حالة على أخرى من هذه الحالات التي يتساوى إمكانها عند حكم العقل؛ وإذن فيستحيل علينا الحكم «قبل» الخبرة ماذا تكون عليه الحال في مثل هذه الظروف؛ وإنما الذي يقضي لنا في الأمر، بحيث نختار أحد الممكنات دون سائرها، هو الخبرة الحسية التي تدلنا على ما قد يقع فعلا، فنتوقع حدوثه - لا لأنه ضرورة عقلية محتومة - بل لأنه هو الذي شهدت به التجربة كما وقعت في الحس واحتفظت به الذاكرة.
45 (3-2) الحكم على أساس الخبرة احتمالي لا يقيني
إنه لا مناص من التسليم بأن الطبيعة قد أخفت عنا سرها المكنون، وأنها لم تعلن لن إلا عن قليل من صفاتها الظاهرة، فهي تبدي لنا عن الشيء المعين بعض خصائصه المحسوسة من لون وطعم ورائحة وشكل ... إلخ، أما القوى الخبيئة لذلك الشيء، والتي عليها يتوقف تأثير ذلك الشيء في غيره من الأشياء، فلا تفصح عنها؛ إننا نعرف عن الخبز - مثلا - لونه وطعمه ووزنه؛ لكن ما الذي يجعل هذا الخبز صالحا لتغذية الجسم البشري؟ ليس في وسع الخبرة الحسية ولا في وسع الفكر الخالص أن يجيب عن هذا السؤال؛ إن البصر واللمس يعطياننا فكرة عن الحركة الفعلية في الأجسام المتحركة، وأما تلك القوة العجيبة التي تحفظ للجسم المتحرك حركته إلى الأبد، على اختلاف الأماكن التي يمر خلالها، بحيث لا تزول عنه إلا إذا انتقلت منه إلى جسم آخر فحركته، فليس لنا إلى معرفتها من سبيل.
لكن جهلنا هذا بالقوة الخبيئة في طبائع الأشياء، لا يمنعنا من الحكم الصادق بأنه إذا تشابهت الخبرات الحسية الواردة إلينا من شيئين، كان الفعل المترتب على هذين الشيئين متشابها كذلك، فإذا ما رأيت - مثلا - مادة معينة لها ما قد ألفته في خبراتي الماضية من صفات الخبز لونا وتكوينا، جاز لي أن أحكم في يقين بأن هذه المادة ستفعل في تغذية الجسم ما قد فعلته أشباهها في الماضي.
وها هنا ينشأ السؤال الآتي: على أي أساس عقلي أتوقع لخبرات الماضي أن تتكرر في المستقبل إذا ما تكررت ظروفها؟ كيف جاز لي أن أقرر في يقين أنه ما دام خبز اليوم له نفس المعطيات الحسية التي كانت لخبز الأمس، فسيكون له كذلك نفس القوى الداخلية التي كانت لخبز الأمس؟ ألا يجوز أن يكون التشابه بينهما مقصورا على الخصائص الظاهرة، أما طبائعهما الداخلية فمختلفة؟
واضح أن حكمنا على المستقبل بأنه سيجري على غرار الماضي، هو حكم لا تقضي به الضرورة العقلية؛ إذ لا تناقض عند العقل أن تتكرر الظواهر نفسها لشيء ما دون أن تتكرر معها الطبائع والقوى؛ ومع ذلك ترانا نسير في حيواتنا على هذا المبدأ، وهو أن نتوقع المستقبل على غرار الماضي، فما علة ذلك في طبائعنا؟
فلنلحظ جيدا أن القضية التي نطلقها على خبرة الماضي ليست هي بعينها القضية التي نطلقها على خبرة المستقبل؛ فليس قولنا «لقد وجدت فيما مضى أن الشيء الفلاني كانت له النتيجة الفلانية» مساو بالضبط لقولنا «إنني أتوقع لسائر الأشياء التي تشبه في صفاتها الظاهرة الشيء المعين الذي خبرته فيما مضى، أن يكون لها نفس النتائج التي كانت لذلك الشيء»، هاتان قضيتان مختلفتان كما ترى؛ إحداهما تقص عن خبرة مضت، والأخرى تتوقع خبرات مقبلة، ومع ذلك فالناس لا يترددون في استنتاج القضية الثانية من القضية الأولى مع أن القضية الثانية ليست متضمنة في القضية الأولى، فكيف جاز لهم هذا الاستدلال؟ ولا تقل إنه حكم العقل؛ لأن العقل لا يستنبط نتيجة من مقدمة إلا إذا كانت المقدمة محتوية على النتيجة؛ وليس الأمر كذلك في الحالة التي نحن بصددها؛ كلا ولا هو حكم الحدس (= العيان العقلي المباشر) لأننا إزاء حكمين مختلفين، حكم عن خبرة ماضية وآخر عن خبرة لم تقع بعد، وليس في هذين الحكمين من الوحدة الذاتية ما يجعلنا ندرك بالحدس أنهما حكم واحد؛ وإذن فلو زعم لنا زاعم أن توقع الإنسان لخبراته المقبلة إنما هو نتيجة مستنبطة استنباطا منطقيا من خبرته الماضية، كان عليه أن يبين لنا الحلقة التي تصل المقدمة بالنتيجة؛ إذ بغير هذه الحلقة سيظل الطرفان مستقلا أحدهما عن الآخر، وليس هناك قنطرة يعبر عليها الفكر من طرف منهما إلى طرف؛ «وإني لأعترف أنني عاجز عن إدراك طبيعة هذه الحلقة الوسطى، وعلى أولئك الذين يقررون وجودها ويقررون كذلك أنها المصدر الذي نصدر عنه في شتى أحكامنا على أمور الواقع، أن يظهروها لنا.»
46
وإذا لم تكن هنالك ضرورة عقلية تحتم أن تجيء خبرة المستقبل على غرار خبرة الماضي، فتوقعنا لخبرة المستقبل استنادا إلى خبرة الماضي هو من قبيل الاحتمال لا من قبيل اليقين؛ ذلك أن استدلالاتنا نوعان: استدلال برهاني أو استنباطي واستدلال استقرائي أو احتمالي؛ أما الأول فيكون حين نحلل فكرة معينة لنستخرج منها أحد أجزائها المكونة لها، وأما الثاني فيكون حين نحكم بحكم معين على أمر من أمور الواقع؛ ولما كانت النتيجة في الاستدلال البرهاني متضمنة في المقدمة، وكل ما في الأمر أننا حللنا المقدمة وأبرزنا أحد عناصرها في النتيجة، كان حتما على هذه النتيجة ألا تناقض المقدمة التي عنها تولدت، وكان كذلك مستحيلا علينا أن نتصور نقيض هذه النتيجة؛ وأما في الاستدلال الاستقرائي الذي يتعلق بأمور الواقع، فالنتيجة ليست مجرد إبراز لعنصر كان متضمنا في المقدمة، بل هي إضافة جديدة، حكمنا بها على موضوعنا اعتمادا على خبراتنا الحسية، ولذلك فلا استحالة في أن يكون الحكم نقيض ما هو الآن، لأنه لا استحالة في أن يتصور العقل أن تكون خصائص الأشياء على غير ما هي عليه، فلو قلت مثلا إن المثلث سطح مستو محوط بثلاثة خطوط مستقيمة، ثم انتزعت من هذه المقدمة نتيجة هي أن في المثلث زوايا ثلاثا، كانت النتيجة لازمة عن المقدمة لزوما يستحيل معه أن نتصور نقيضها؛ إذ لا يمكن أن يكون السطح المستوي محوطا بثلاثة خطوط مستقيمة، ثم لا تكون فيه زوايا ثلاث؛ فالنتيجة هنا هي نفسها المقدمة (أو بعض عناصر المقدمة) موضوعة في عبارة أخرى، فلو تصورنا نقيض النتيجة كنا كمن يتصور الشيء ونقيضه معا؛ أما إذا قلنا إن الخبز يغذي الإنسان ولا يغذي النمر، فهذا حكم استقيناه من التجربة، ولم يكن عند العقل ما يمنع أن يكون الأمر على خلاف ذلك؛ إذ لا استحالة في أن يكون الخبز غذاء النمر دون الإنسان؛ كلا الأمرين محتمل عقلا، وإنما قضينا بواحد دون الآخر استنادا إلى الخبرة وحدها.
نامعلوم صفحہ