قصدوا بكل هذه حماية طريق الهند خوفا على الهند، فبعدما ورد إلينا من أصدقائنا في لاهور أن لدعوة محمد أحمد في قلوب الهنديين منزلة، وأنه لو لم يكن مهديا فالضرورة قاضية عليهم باعتقاده كذلك عسى أن يكون في هذا الاعتقاد جمع لكلمتهم على التخلص من رق الإنجليز، جاءت البرقيات شاهدة على صدق ما كتب إلينا.
ففي الأخبار البرقية أن رجال الشرطة في سملا وجدوا إعلانات ملصقة على جدران المدينة مما كتب فيها إغراء المسلمين بإجابة دعوة محمد أحمد والقيام بنصرته، وسملا هي في آخر الممالك الهندية الإنجليزية من جهة الشمال الشرقي على القرب من لاهور، وهذا ما كنا نخشاه ونبهنا عنه مرارا، وربما تكون هذه الصدمات الشديدة التي صدعت إنجلترا بعد استفحال أمر محمد أحمد كافية في إذعانها بأن عاقبة الثورة السودانية أشد خطرا عليها من عاقبة الحركة التي سموها عرابية.
رام الإنجليز بكل هذه الاحتياطات المقيدة أن يقرروا الراحة في مصر فإذا الأموال تنهب، والحقوق تضيع، والإدارات في فساد والتجارة في كساد، والزراعة في بوار، والظلم في اشتداد، والأمن مسلوب حتى الأرواح والأعراض، كل هذا باعتراف جرائدهم ووزرائهم وشهادة الجرائد المصرية الوطنية وإجماع السياسيين في أوروبا على أن الشقاء الذي ألم بأهل مصر بعد تداخل الإنجليز - ناشئا عن هذا التداخل - لم يرزءوا به في زمن من الأزمان من عهد محمد على إلى الآن، فأنعم بهذه الوسائل التي أعدها الإنجليز لتقرير الراحة في مصر! وأجمل بالوسائط التي استعملوها لحماية الهند!
هذه بدايات القلاقل وبوادر المخاطر التي نشأت من شدة احتراس الإنجليز وحرصهم على وقاية أملاكهم أو توسيعها، يظهر من جعجعتهم إذا صاح بهم داعي الحرب وحيرتهم من أين يجندون الجنود هل من الهند أم من إنجلترا؟! ومن موازينهم العسكرية أن ليس لهم قوة برية لحفظ الممالك الواسعة، فكيف يستطيعون التصرف في مصر لو سادوا عليها، وهي كما قال وزير داخليتهم: تحسب مملكة أوروبية لا تسود فيها الأوهام ولا تدوم فيها سلطة الحيل، إن لم يكن من المصريين فمن الأوروبيين، وأي قوة تصون لهم الهند من فتنة إذا امتد زمن الاضطراب في مصر؟! وقد جاءنا من أخبار الهند أن عموم المسلمين في هياج شديد ويخشى أن تثور فيهم ثائرة عندما يتقدم محمد أحمد خطوة أخرى.
هذه العواقب السيئة وما يتوقع من مثلها أو أسوأ منها لدولة إنجلترا إنما هي حلقات في سلسلة أغلاطها من استيلائها على قبرص، فإنها اختلست تلك الجزيرة لمراقبة طريق الهند، فنافستها فرنسا، واستولت على تونس، فتخوفت على قنال السويس أن يساق إليه جيش بري من إفريقيا الغربية، فسعت في الإيقاع بين الجند والحاكم في مصر وتذرعت بذلك للغارة عليها، فنزل بها في تلك ما نزل.
وبعث ذلك دولة فرنسا على ما بلغنا من مصدر يوثق به إلى السعي في طريق يوصلها إلى مناكبة الإنجليز في مصر على الحدود الغربية، وربما جرت هذه المنافسات إلى فتح المسألة الشرقية، وليس بقليل ما يصيب إنجلترا من مضار هذه المسألة، فأي ثمرة جنتها إنجلترا مما غرسته في هذه السنين الأخيرة، لا هي صانت باب الهند من الخطر كما تروم، ولا هي سكنت قولب الهنديين، وإنما طرقت أبوابا كانت مغلقة ويوشك أن تفتح، ولئن فتحت فإنها تحدث زلزالا في أركان العالم بأسره، هذا شأن الإنجليز وما يفعلون .
ويوجد أناس لهم مداخل في تقلب الأحوال المصرية، ولهم مذاهب مختلفة في ترويج مقاصدهم لدى المصريين، يمنونهم بالخلاص من أيدي الإنجليز إذا آل إليهم السلطان في مصر، بل يؤكدون لهم أنه لو ثبتت أقدامهم في الديار المصرية لأحبطوا مساعي إنجلترا في عموم البلاد الشرقية، وسعوا في تقليص ظلها من المشرق بأسره، أخذا بثأرهم منها، فهؤلاء سنأتي على أحوالهم، ونبين طرق سيرهم في أعمالهم، حتى يكون ذوو الآمال فيهم على بصيرة من أمرهم.
الفصل التاسع والثلاثون
هول الأمر على جوردون
أخبر مراسل التايمس في الخرطوم أن تلك المدينة أصبحت معسكرا لأعوان الثورة، ومضاربهم محيطة بها من جميع الجوانب، والمقذوفات من نيران أسلحتهم تنقض على دار الحكومة بلا انقطاع، والمئونة في نقصان، والخطر يشتد يوما بعد يوم، وبعد إفراغ الوسع في اختراق صفوف الثائرين بالمراكب تسير إلى بربر لفتح طريق المخابرة مع حاميتها، حبط العمل وخاب السعي؛ فإن قوة العربان على شواطئ النيل تصول على المراكب بأسلحتها القاتلة وتفتك بمن فيها.
نامعلوم صفحہ