علو الہمہ
علو الهمة
جاء يوم الجمعة، وحان وقت الزوال فصلى "أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري" بالناس، فبكى السلطان، وبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه بعد الصلاة، وقال لهم: "من أراد الانصراف فلينصرف فما ها هنا سلطان يأمر وينهى، وإنما جهاد ورغبة في لقاء الله"، ثم ألقى القوس والنشاب (¬1)، وأخذ السيف، ولبس البياض، وتحنط، وقال: "إن قتلت فهذا كفني"، وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما اقترب منهم ترجل، ومرغ وجهه في التراب، وبكى، وأكثر من الدعاء، وطلب النصر من الله، ثم ركب، وحمل على الروم، وحمل المسلمون حتى وصلوا إلى وسط الروم وحجز الغبار بينهم، وما هي إلا جولة حتى أنزل الله نصره، وهزم الروم، ومنحوا المسلمين أكتافهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرا حتى امتلأت الأرض بالجثث، وقدر عدد القتلى بمائة وخمسين ألفا، أي أن كل مسلم قد قتل عشرة من الروم، ووقع ملك الروم "أرمانوس" وبطارقته جميعا أسرى بأيدي المسلمين، وحمل أرمانوس إلى السلطان "ألب أرسلان"، فلما وقف بين يديه ضربه بيده ثلاث مقارع وقال: "لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ " قال: "كل قبيح"، قال: "فما ظنك بي؟ " قال: إما أن تقتل بعد أن تشهر بي في بلادك، وإما أن تعفو، وتأخذ الفداء، وتعيدني"، قال: "مما عزمت على غير العفو والفداء"، فافتدى نفسه بميلون ونصف من الدنانير، فقام بين يدي السلطان وسقاه شربة من ماء، وقبل الأرض بين يديه، وقد ترك له السلطان عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة الأسرى (¬1).
* ومن علو همة السلطان المنصور أبي يوسف يعقوب ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن على المغربي، المراكشي، الظاهري: أنه كتب إليه "الأدفنش" يهدده، ويعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: "وأنت تماطل نفسك، وتقدم رجلا، وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطأ بك، أو التكذيب بما وعدك نبيك؟ "، فلما قرأ الكتاب، تنمر، وغضب، ومزقه، وكتب على رقعة منه: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} الجواب ما ترى، لا ما تسمع:
ولا كتب إلا المشرفية عندنا ... ولا رسل إلا للخميس العرمرم
صفحہ 315