أكتب هذا من محبس القلعة. أما كيف وصلت إلى هنا فهذه هي القصة.
في صباح اليوم التالي لواقعة باب زويلة ذهبت إلى حارة الإفرنج جهة الأزبكية، واستطعت أن أدق ورقة في مدخل الحارة دون أن يراني أحد. وفجأة أطل علي بعض الروم اليونان من أعلى الدار، فسارعت بالابتعاد لكن أحدهم نزل وأخذ الورقة وصاح علي.
وجدت نفسي في مواجهة عسكري فرنساوي فاتحا ذراعيه ليحوطني، فأفلت منه وجريت بسرعة. وشاء سوء حظي أن صادفت ثلاثة من الفرنساوية من غير الجنود. حاول أحدهم أن يستوقفني فدفعته بقوة فوقع على الأرض، واندفع الآخران خلفي. ولجت دربا مظلما خلته غير نافذ فتسلقت جدار أحد البيوت وكان خاليا، فصعدت إلى سطحه ورأيت أنهم تبعوني؛ فتسلقت إلى سطح آخر فوق خان. وفككت عمامتي وربطتها في مسمار، ثم تدليت إلى أسفل الخان، وخرجت إلى السوق.
مرقت إلى جهة الغورية، ففوجئت بالناس تعدو خلفي إلى أن وصلت إلى درب بالجمالية غير نافذ، فدخلت وعبرته إلى دار وجدتها مفتوحة وربها واقف على بابها. كنت أسمع صوت الفرنساوية يسألان عني، وقال لهم شخص ما: ذهب من هنا. حتى وصلوا إلى ذلك الدرب فدخلوه. ودلهم صاحب الدار علي، فلما أحسست بهم نزعت ثيابي وحملتها في يد وتدليت ببئر في الحوش، فدخلوا الدار وفتشوها وأنا كامن في البئر ثم انصرفوا.
بقيت في البئر بعض الوقت ولما شعرت بالسكون حولي وأن أصحاب المكان قد ابتعدوا خرجت من البئر. ارتديت ملابسي وارتقيت الحائط. لم أر أحدا بالدرب فقفزت إلى أرضه وسقطت بين ذراعي عبد العال الذي كان متواريا عن الأنظار في فرجة الباب.
أخذني عبد العال إلى بيت أستاذي، وفتشوا غرفتي دون أن يحركوا الصندوق. وصعدوا إلى الطباق وفتشوا على السلاح حتى قلعوا البلاط. وأبدى أستاذي الغضب مني، ثم اقتادوني إلى القلعة حيث ضربوني بالكرابيج على كفوفي ووجهي ورأسي طالبين أسماء شركائي وأماكن إخفاء الأسلحة. ولما لم يتحصلوا مني على شيء أودعوني الحبس.
قضيت الليلة الأولى بمفردي نائما فوق الأرض الباردة. ووجدت السلوى في تذكر ما جرى بيني وبين بولين، وظل طيفها يلف بمخيلتي. وفي الفجر أخذت أرتعش من البرودة؛ فكنت أقفز كالقرد لكي تسري الدماء في عروقي.
وفي صباح اليوم التالي أحضروا إلي قطعة من الجبن المتخشب ورغيفا، ثم أرادوا أن يخلوا مكاني لمحبوس جديد فنقلوني إلى غرفة متسعة وجدت بها عددا من المحابيس. وكان أغلبهم من المتهومين في الفتنة ضد الفرنساوية وبينهم تجار أغنياء، ومجاورون بالأزهر، وبعض المغاربة والشوام.
جاء مكاني إلى جوار حاج من تجار العطارين له حكاية غريبة؛ فقد بحثوا عنه بعد الفتنة لكنه اختفى، وأخيرا كبس عبد العال على منزل أخيه، وقبضوا عليه وعلى من كان معه بالبيت، وحبسوهم ببيت قائمقام، وهم سبعة أنفار بالخادم، وأصعدوهم إلى القلعة وضيقوا عليهم، ثم أطلقوا خادمه بعد أن أعطوه خمسين ريالا فرانسة، وجعلوا له ألفا إن دلهم عليه. وهذا ما حدث.
واكتشفت مكانا مخصصا لأسرى العثمانلية ويمنعونهم من الاحتكاك ببقية الحبوس.
نامعلوم صفحہ