کارل بوبر: سو برس کی روشن خیالی
كارل بوبر: مائة عام من التنوير
اصناف
لم يكن بوبر هو أول من أساء فهم ماركس بهذه الطريقة. فالحق أن ماركس لم يعدم في حياته من أساء فهمه، ولعل حالة ماركس هي من الأمثلة النادرة لمؤلف يمد له في الأجل حتى يبطل بنفسه سوء الفهم! فمن بين رسائل ماركس هناك رسالة كتبها ردا على ناقد معاصر له، هو ميخائيلوفسكي، في هذه الرسالة ينكر ماركس أنه قدم «نظرية تاريخية-فلسفية عن الطريق العام الذي قدر للناس أن تطأه»، ويكتب ماركس محتجا: «إن ميخائيلوفسكي يبالغ في تمجيدي وتسفيهي في الوقت نفسه».
12
إنما لهذا الصنف من التفسير الحتمي المتصلب الدوجماوي لأفكاره دأب ماركس في أواخر أيامه أن يقول بأنه: «ليس ماركسيا!»
ومن الحق أن ماركس كان ماكرا بعض الشيء، وكما كتب إنجلز في رسالة إلى بلوك، فإن إنجلز وماركس مسئولان عن سوء الفهم بعد أن ألحت عليهما الحاجة إلى إبراز الجانب الاقتصادي لمعارضة أولئك الذين أنكروا أي دور له على الإطلاق في التاريخ، ويمضي إنجلز قائلا: [بحسب المرء أن ينظر في كتابات ماركس التاريخية نفسها (وبخاصة
The Eighteenth Brumair of Louis Napoleon ) لكي يجد ماركس على وعي تام (كما تقول الصفحة الأولى من هذا العمل) «بأن البشر يصنعون تاريخهم الخاص»، وإن يكن ذلك وفقا للإرث الذي انحدر إليهم من الماضي، ونفس الشيء نجده في نصوص نظرية تماما وغير تاريخية، وأفضل مثال عليها نجده في «أطروحات في فيورباخ»].
لقد كان ماركس وإنجلز مسئولين عن كل ذلك، فقد كان ماركس في بعض الأحيان (وإنجلز في كثير من الأحيان) يكتب كما لو كانت الماركسية صرحا من المعرفة العلمية تحتوي على قوانين عامة تحكم تطور التاريخ كله، ولما كان هذا التصور للماركسية سهل الفهم وجذابا بالنسبة لحقبة انبهر الناس فيها بإنجازات العلم في مجالات أخرى، فقد تبين أنه كان تصورا رائجا بين الماركسيين المتأخرين. وحيث إن معظم التنبؤات عن القوانين العامة الأصلية قد تبين كذبها، فإن المرء حقيق ألا يملك نفسه عن الميل المفرط للتمسك بهذه النظرة اليوم، هذا هو التأويل الوحيد الممكن للماركسية الذي يستطيع بوبر أن يقول إنه دحضه، وهو تأويل غير مقبول في يومنا هذا، ولقد رأينا أن ماركس وإنجلز قد رفضا في أواخر أيامهما فكرة القوانين الكلية المتحكمة في مسار التاريخ كله.
ما يبقى من ماركس
ولكن هل هذا هو ماركس كله؟ بالطبع لا، فهناك نصوص هيجلية الطابع كتبها ماركس ولم يطلع عليها بوبر يوم كتب «المجتمع المفتوح»، لم يكن ماركس في هذه النصوص «نيوتن العلوم الاجتماعية»، بل كان فيلسوفا حصيفا يستخدم المقولات والمصطلحات الهيجلية، ولا يدعي يقينا علميا، بل يحاول أن يطبق على العالم الواقعي تلك الاستبصارات التي استمدها من هيجل.
والواقع الحق أن هذه الاستبصارات تبقى مشرقة ومضيئة، والفهم الحقيقي للماركسية الحقيقية يحملنا على أن نقدر هذا التوجه الفلسفي، ونرى فيه إلهاما بطرائق في النظر إلى الإنسان والمجتمع مثمرة علميا وإن لم تكن علما بالمعنى الكامل، بوسعنا أن نضرب صفحا عن إسراف ماركس في ادعاء اليقين في بعض الأحيان، وعن نبوءاته الخاطئة، وأن نوافق رغم ذلك على أنه أشار إلى طريق يمكن أن تتقدم فيه العلوم الاجتماعية، لقد كان السائد قبل ماركس أن يدرس الإنسان وأفكاره كما لو كان تاريخهما وتطورهما لا علاقة له البتة بمتطلبات العيش اليومية وحاجات الحياة الأرضية الملحة، ومنذ ماركس انعقد الإجماع على أن أنشطة الإنسان الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية مشتبكة معا، ولا يمكن فهمها بمعزل عن بعضها البعض، لهذا السبب يمكننا أن نقول بحق: إن استبصاراته قد جعلت نشوء علم للمجتمع أمرا ممكنا.
ولسنا نرى داعيا لأن ينكر بوبر أي شيء من ذلك، فكله يتفق تمام الاتفاق مع نظرته عن الدور الذي يمكن أن تضطلع به الميتافيزيقا في العلم، كمصدر للفرضيات التي تقدم إلى العلم لكي يختبرها، ويجتبي الصامد منها.
نامعلوم صفحہ