عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
ولي قول آخر : إن القوم لما امتحنوا وبقوا في امتحانهم ولم يلجئوا إلى الحق نبعت بالتضرع والتواضع والافتقار ولم يغيروا موضع تقصيرهم في دعوتهم في الامتحان ؛ فأهملهم الله وألقاهم فيما هم فيه ولو خضعوا له أزال عنهم العلة والامتحان وأعوضهم النعمة مكان البلاء.
وقوله تعالى : ( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ).
نبه سر الاية أن جمهور السالكين لا ينجون من محل امتحانه ؛ فألزم عليهم نعت القهر ، كما ألزم عليهم نعت اللطف ، ولا ينفك عنهم نعت القهر ماداموا في العبودية كما لا ينفك عنهم نعت اللطف ، وذلك تربية منه لهم ، ولا ينفك عنهم وإن تضرعوا وخصوا أو سألوا زوال ذاك ، لكن يسهل عليهم جريان أقدار القهر فهو المجري عليهم وهو المستهل عليهم وذلك قوله : ( فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ).
قال القاسم : إذا أراد الله هلاك قوم حسن في أمنيهم وأراد الهلاك حتى يمشون إليها بأرجلهم وتدبيرهم وهو الذي أتي بهم.
( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13))
قوله تعالى : ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ) بين سبحانه هزمنا مقامات المريدين والمتوسطين حيث ذكر البرق والخوف والطمع ، وأين العارفون من مقام الخوف والرجاء وهم في قنوط النكرة وأمن المعرفة ، وأين هم من مقام البرق وهم محترقون في بروق شموس مشاهدة القدم والأزل ، هذا حال سلاك الطريقة إذا سافروا في بيداء المحبة والشوق وهم عطاش في سراب الحيرة ؛ فيتلطف بهم تعالى وينشئ شمال الشفقة وسحاب الألفة ويريهم برق تجلي المشاهدة ويمطر عليهم وابل أوصال من مزن الجمال ؛ فيخافون من فواته تارة ، ويطمعون بقاءه تارة ، وأيضا هو الذي يري المحبين برق المكاشفة ، ويكشف لهم نور المشاهدة وينشئ للعارفين سحاب العظمة الثقال بأنوار الهيبة ، ويمطر عليهم طوفان بحر الأزل والاباد ؛ فيفنيهم لطوارق العظمة ، ويحيهم بماء حياة ألوهية فسقر الإرادة تحت سحاب المنة ، وكشف برق المشاهدة وخوف الفرقة وطمع الوصلة.
كما أنشد الشبلي :
أظلت علينا منك يوما سحابة
أضاءت لنا بقا وأبطا رشاشها
صفحہ 225