عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
روحه في بدء الأمر أمانته من ودائع أسرار ملكوته وجبروته في غيب الأزل ، وأيضا أي نحن لا نفشي أسرارنا إلا لمن كان في قلبه استعداد قبول معرفتنا ، وأيضا لا يختار لكشف جمالي إلا من كان قلبه في شوق إلى وصالي.
قال بعض الخراسانيين : الإشارة فيه : إنا لا نأخذ من عبادنا أشد أخذا ممن ادعى فينا أو اخبر عنا بما لم يكن له الإخبار عنه ، إلا من مديده إلى ما لنا وادعاه لنفسه.
وقال أبو عثمان : لا نتخذ من عبادنا وليا إلا من ائتمناه على ودائعنا ؛ فحفظها ولم يخن فيها ، ولطيفة الواقعة مثل الحبيب إلى الحبيب ، ومكر الحبيب للحبيب حتى لا مفارق الحبيب عن الحبيب يتعلل بكل علة حتى يسلب حبيبه ، وهيهات من مفارق بين الحبيبين في محل الوصال فقال : ( معاذ الله ) أن تأخذ مكان حبيبي بديلا ، فليس في مذهب المحبة أخذ بديل الحبيب ، وفي معناه أنشدوا :
أبى القلب إلا حب ليلى
وبغضت إلي نساء ما لهن ذنوب
قوله تعالى : ( إن ابنك سرق ) انظر كيف فعل بإسرائيل عليه السلام سلب منه فاكهتي قلبه ، ثم نادى عليهما بالبيع والسرقة والفرقة والعزلة ليزيد عليه بلاؤه في محبته قالوا : ( إن ابنك سرق ) نسبوه إلى سرقة الصاع ، ونادى لسان القدر على أن بنيامين سرق يوسف عليه السلام من بينهم وهموا فيما نسبوا إليه ، وسبب ذلك أنهم كانوا في زمان البلاء ، ومن كان في زمان بلائه يعرف طريق المخرج ، وكل الفعل يكون عليه لا له.
قال جعفر : كيف يجوز هذه اللفظة على نبي ابن نبي ، وهذا من مشكلات القرآن ، ومثله في قضية داود عليه السلام ( خصمان بغى بعضنا )، وما كان خصمين وما بغيا ، صدق الصادق جعفر عليه السلام : إن في القرآن كثيرا من هذه المتشابهات والمشكلات ، ولا يعلم تأويلها إلا الله ، والراسخون في العلم ، ومما علموا من هاهنا أن الله سبحانه تكلم بالحقيقة والأمثال والعبر والمجاز والخبر والقصص على وفق الواقعة ؛ فأخبر من حيث الظاهر عن قصتهم بما قالوا وفعلوا وفي الحقيقة حق ما قال ؛ لأن الواقعة لا تخلو من إشارة إلى شيء حقيقي كسرقة يوسف عليه السلام بملاحة وجهه قلوب الخلق ، وقولهم في ذلك صدق.
وقوله : ( إنكم لسارقون ) حقيقة ؛ لأنهم سرقوا الأمانة والعهد من بينهم وبين أبيهم ، وقولهم : ( إن ابنك سرق ) صدق أسرار يوسف عليه السلام الذي سمع منه في الخلوة والوصال عنهم ، حيث ما أخبرهم ذلك السر ووضع الصاع في متاعه كان بتقريره ؛ فكلام الله صدق أخبر عن حقيقة وظاهرها مجاز وتصديق ذلك قوله تعالى : ( وما شهدنا إلا بما علمنا )
صفحہ 191