عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
فالقوم حكموا بما صدر من القهر أنه نفس ، وأنا أرجع إلى الأصل ؛ لأن القهر صفة دائمة أزلية محركة طباع البشر إلى طلب الشهوات ، ولا يطيق أحد أن يخرج من تحته إلا بلطف الله بقوله : ( إلا ما رحم ربي )؛ لأنه صفة غالبة على جميع الذرات ، وهو صفة الله سبحانه ، وهو نفس النفس ؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفة القهر ، وإن قهره حار جميع الحدثان تحت غلبته ، ومن يدعي أن يبعد نفسه من سلطان قهره بقوله : ( وما أبرئ نفسي ): أي : ما أبرئ نفسي من غلبه قهر الله عليها ، وأنها مقهورة بين يديه.
وأيضا : ما أبرئ نفس النفس عن القهر والغلبة ، فإن نفس النفس أمارة إلى ما يقتضي القهر ، وما يقتضي القهر يقتضي الامتحان ، وما يقتضي الامتحان يقتضي الملامة في رسوم العلم.
وقوله : ( إلا ما رحم ربي ): أي : إلا من عصمه الحق بلطفه عن قهره ، وأشار بهذا إلى وجوده حين عصمت بلطفه عن قهره.
وقوله : ( وما أبرئ نفسي ): إثبات ما جرى من الهمة : أي : ( وما أبرئ نفسي ) من الهمة التي همت بها ، وهذا محل من عرف سر القهر ، وسر الخطاب ، وسر الامتحان ، وسر النفس ، وغلبة الربوبية بقوله عليه السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (1).
ولما عرف حقائق النفس صلى الله عليه وسلم استعاذ منها إلى الأصل ، وقال : «أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك» (2)، وأعلمنا عليه السلام أنه تعالى نفس النفوس بقوله : «أعوذ بك منك» (3).
ومن أراد أن تبرأ نفسه فقد نازع الربوبية ، فإن النفس أصل القدر السابق على ما جرى من البلاء والامتحان.
ألا ترى إلى قول الواسطي كيف قال : من لام نفسه ؛ فقد أشرك.
وقال أيضا : رؤية التقصير من النفس شرك ؛ لأن من لاحظ نفسا من نفسه ؛ فقد جحد الأزلية للحق ، ومن لام نفسه في شيء من أموره فقد أشرك ؛ لأنه أضاف إلى نفسه ما لم يكن منه قط.
قال ابن عطاء : وما أبرئ نفسي بنفسي إنما أبرئ نفسي بربي.
قال أبو حفص : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها في جميع الأحوال ، ولم
صفحہ 178