عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
وما ذكرنا من هذه المعاني الغريبة والتفاسير العجيبة من حقائق أمر الإلوهية لا يعرفها إلا أبناء المعرفة ونظار المشاهدة.
قال الله تعالى : ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ): لا يعلمون مواضع تقدير الأزلية ؛ حيث دبر أمور الحدثان من العرش إلى الثرى ، وكيف يطلع الحدثان على قدم الرحمن.
قال ابن عطاء : غالب على أمر نفسه ، أجراه على ما شاء إلى من شاء ، وصرفه عمن شاء ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه الغالب في أمره الذي أمر عباده من طاعتهم ، إن شاء يسر لهم من طاعته ، وإن شاء أعجزهم فيها.
قال الواسطي : يصرفهم في تدبيره ويدبرهم في تصريفهم ، ويجد منهم المفقود ، ويفقد منهم الموجود ، فالإضافات ضرب من الإشراك.
ثم وصف الله سبحانه بلوغ يوسف أشد النبوة والولاية والتأييد الأزلية ، وما وهبه من أنوار العلوم والحكمة بقوله : ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ): ( أشده ): تمكينه واستقامته في المعاملات والحالات ومراتب الاداب في العبودية كشف له تصرفات الربوبية في معادن المكاشفة.
( حكما وعلما ): حكما بالعبودية ، وعلما بالربوبية ، حكما بالطريقة ، وعلما بالحقيقة ، حكما بممالك الدنيا ، وعلما بممالك الاخرة.
( وكذلك نجزي المحسنين ): نجازي المحسنين الذين راقبوا الله سرا وعلانية ، وبذلوا مهجتهم بالله وفي الله إلى الأبد.
قال النصر آبادي في هذه الاية : لما عقل عن الله أوامره ونواهيه والاستقامة معه على شروط الأدب أعطيناه حكما على الغيب في تعبير الرؤيا ، وعلما بنفسه في مخالفة هواها.
قوله تعالى : ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ): كانت مستغرقة في العشق الروحاني فغلبت عليها شهوة العشق ، فراودته ، وذلك أن رعونة سر الطبيعة صارت منجذبة برقة عشق الروحاني إلى معدنه فغلظت وصارت محجوبة بالطبيعة من الحقيقة.
( وغلقت الأبواب ): لما كان عشق يوسف عليه السلام في قلبها ، وصورته مصورة في خيالها لا يحتاج إلى غلق الأبواب ، فإن قيد همتها حكمة همت يوسف حين همت به وهم بها أغلقت أبواب أسرار عشقها على يوسف ، فصارت فاشية بأن العشق لا يبقى الكتمان :
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر
ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
صفحہ 159