عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال ابن بنان : خالصة من خلقه انتخبهم للولاية ، واستخلصهم للكرامة ، وأفردهم به ، فجعل أجسادهم دنياوية ، وأرواحهم نورانية ، وأذهانهم روحانية ، وأوطان أرواحهم غيبية ، وجعلهم فسوحا في غوامض غيوب الملكوت للذين أوجدهم لديه في كون الأزل ، ثم دعاهم فأجابوا سراعا ، أجاب تركيبهم حين أوجدهم بعد الدعوة منه ، وعرفهم نفسه حين لم يكونوا في صورة الأنسية ، ثم أخرجهم بمشيئته خلقا ، فأودعهم صلب آدم ، فقال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ): فأخبر أنه خاطبهم ، وهم غير موجودين إلا بإيجاده لهم ، إذ كانوا واجدين للحق في عين وجودهم لأنفسهم ، وكان الحق بالحق في ذلك موجودا.
قال الأستاذ : أخبر بهذه الآية عن سابق عهده ، وصادق عقده ، وتأكيده وده بتعريف عبده ، وفي معناه أنشدوا :
سقيا لليلى والليالي التي
كنا بليلى نلتقى فيها
ويقال : جمعهم في الخطاب ، لكنه فرقهم في الحال ، فطائفة خاطبهم بوصف القربة ، فعرفهم نفس ما خاطبهم ، وفرقة أبقاهم في أوطان الغيبة ، فأقصاهم عن نعت العرفان ، وحجبهم.
ويقال : أقوام لاطفهم في عين ما كاشفهم ، فأقروا بنعت التوحيد ، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم ، فأقروا عن ناس الجمود.
ويقال : تجلى لقلوب قوم ، فتولى تعريفهم ، فقالوا : بلى عن حاصل اليقين ، وتعزز على الآخرين ، فأثبتهم في أوطان الحجة ، فقالوا : بلى عن ظن وتخمين.
ويقال : جمع المؤمنين في السماع ، ولكن غاير بينهم في الرتب ، فجذب قلوب قوم إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبار ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان ، كاشفهم به من الأسرار.
ويقال : فرقة ردهم إلى الهيبة فهاموا ، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا.
ويقال : كاشف قوما في حال الخطاب بجماله ، فطوحهم في هيجان حبه ، فأسكنت محابهم في كوامن أسرارهم ، فإذا سمعوا اليوم سماعا ، تجددت لهم تلك الأحوال ، والانزعاج الذي يظهر فيهم ، لتذكر ما سلف لهم من العهد المتقدم.
( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله
صفحہ 495