عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
فيها مثمرة ، فدل آدم عليه السلام إليها ليكون بتلك النعمة متمتعا أحد من خلقة ، لكن مزج بالإرادة الحسد على آدم عليه السلام فأوقعه فيها ؛ لأنه علم أنها موضع خطر فعصمها الله من ذلك الخطر ، فلما أكلا وجد ذلك في نفسها فزم الله وجههما وقلبهما زمام قهر سلطنته فلما رأى أنفسهما ساقطين عن محل الربوبية عرفا عجزها وضعفهما وعبوديتهما فقالا : ( ظلمنا أنفسنا ) [الأعراف : 23] ، وأراد الملعون أنهما لما أكلا من الشجرة أن يظهرا تلك الأسرار التي لو عرفها أحد يكون عيارا سكرانا ، والهامد هوسا خارجا من قبول أحكام الشرائع في العبودية ، ولا يكون في العالم حجة الله ، فقصدهما بذلك لسقوطهما عن درجة الرسالة والنبوة والولاية التي هناك ظهور العبودية لما يبدو لهما من عورات الأسرار المكنونة والأقدار المختومة بقوله : ( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ) (1) إذا أراد سبحانه أن يظهر لعبده سرا من أسراره أعزى إبليس بوسوسة سبب ينكشف به تلك الأسرار له ، فيرتفع بعلمها درجاته ، فيرجع ضررها إلى إبليس ، ورجع منفعتها إلى عبده العارف كحال آدم عليه السلام وعدوه ، أراد العدو أن يسقطه من درجته فزاد شرفه على شرفه وقد سقط هو من رتبته بالحسد عليه وصار مطرود الأبد وصار آدم عليه السلام مقبول الأزل والأبد لقوله سبحانه : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) [فاطر : 43].
وقال تعالى في حق آدم عليه السلام : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) [طه : 122] ، وقال في حق داود عليه السلام : ( وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ص : 25] ، ولما بدا لهما تلك الأسرار كتماها في نفسهما باستعداداتهما إلى أشجار الرعاية بقوله : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) [الأعراف : 22].
قال أبو سليمان الداراني : وسوس لهما الشيطان لإرادة الشر بهما فكان ذلك سببا لعلو آدم عليه السلام وبلوغه إلى أعلى الرتب ، وذاك أن آدم عليه السلام ما عمل عملا قط أتم له من الخطيئة التي هي أدبته وأقامته مقام الحقائق ، وأسقط عنه ما لعله خامر سره من سجود الملائكة له ، ورده إلى بركة الأولى من التخصيص في الخلقة باليد حتى رجع إلى ربه بقوله : ( ظلمنا أنفسنا ).
قوله تعالى : ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) مادام مآل أمر آدم عليه السلام يئول
صفحہ 423