عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16))
قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ) لما تمكنت فطرته السليمة القابلة نور الغيب بسنا العقل ، وكمل عقله بتأييد الحق ونصرته على النفس والهوى ، وقوى قلبه بصفات الإيمان والإيقان ، وتجرد روحه مما دون الله ، واستوى سره بنعت التمكين في العبودية عند جريان أحكام الربوبية عليه آتيناه حكمة الأزلية ، وعلوم الأبدية ؛ ليعرف بأنوارها حقائق الصفات ، ويرى بسنائها جلال الذات.
قال الجنيد : لما تكامل عقله ، وصحت بصيرته ، وخلصت نحيزته ، وآن أوان خطابه آتيناه حكما بيانا في نفسه ، وعلما مما يتجدد عنده من موارد الزوائد عليه من ربه.
قال أبو بكر الوراق : حكما على عبادنا ، وعلما بنا.
( قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20))
قوله تعالى : ( قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) أي : بما أنعمت علي من كشف جمالك ، وما أسمعتني من لطائف خطابك لا أساعد المخالفين ، ولا أجالس البطالين ، ولا أعين المدعين ، ولا أكون موافقا لمراد النفس والهوى ، ولا أكون في قيد الشهوة والمنى.
قال ابن عطاء : العارف بنعم الله من لا يوافق من خالف ولي نعمته ، والعارف بالمنعم لا يخالفه في حال من الأحوال.
( فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21))
صفحہ 81