عرائس البیان فی حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
سقيم بمحبتك مملوء من شوقك ، محترق بنيران عشقك ، خال عن غيرك من العرش إلى الثرى ، رفيق بلزوم أنوار كشف جمالك ، له لطيف في تقلب ذاتك وصفاتك بنعت المحبة والمعرفة ، وأيضا بقلب طاهر عن الأدناس ، وعن الهواجس والوسواس ، بين سبحانه في هذه الآيات مقام خليله بين يديه من المراتب الشريفة والحالات الرفيعة ، الإشارة الأولى بقوله : ( الذي خلقني ) إلى محض وحدانية الحق وكمال قدرته الأزلية بنعت نفي الأنداد والأضداد.
وأشار في قوله : ( فهو يهدين ) إلى قطع الأسباب والاكتساب في النبوة والولاية والخلة بالإشارة إلى الاصطفائية السابقة ، وأشار في قوله : ( هو يطعمني ويسقين ) إلى مقام التوكل والرضا والتسليم والتفويض ، وقطع الأسباب ، والأعمال إليه بالكلية ، والإعراض عما سواه ، وهكذا الإشارة في قوله : ( وإذا مرضت فهو يشفين ) رفع الرجوع إلى غيره والسكون إلى التداوي والمعالجة بشيء ؛ فهو كمال التسليم ، وأشار بقوله : ( والذي يميتني ثم يحيين ) أنه مشاهد سوابق القدر بنعت الرضا بالحكم والقضاء.
وأشار بقوله : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ) إلى مقام حسن اليقين ، وحسن الرجاء ، وخالص العبودية ، وأشار بقوله : ( ولا تخزني ) إلى مقام الإجلال والتعظيم والخوف والخشية والهيبة ، وأشار بقوله : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) إلى التخلق بخلق الله والاتصاف بصفته إذ لم يكن القلب سليما بلا عيب إلا إذا كان متصفا بطهارة قدس الحق عن النظر إلى الخلق ، واستعمل حسن الأدب في كمال خلقه ومعرفته في وصف الحق سبحانه بمكنيات ألفاظ حيث قال : ( الذي )، وهذا من غلبه حرمة الحق عليه ، وتمكينه في الصحو بعد سكره في البداية ، وجرأته حين غلب عليه سكر المحبة حيث خاطب الحق بتصريح القول في المواجهة بقوله : ( كيف تحي الموتى ) [البقرة : 260] ، و ( رب اجعلني ) [إبراهيم : 40] ، و ( هذا ربي ) [الأنعام : 77] ، والدليل على ذلك قول الواسطي قال : لما استغرق إبراهيم في الخلة احتشم من ذكر خليله بالتصريح ، فرجع إلى الصفات جعل يقول : «الذي» ، ولم يصرح بل كنى ، والكناية فيها تصريح ، ولما كان في ابتداء مقاماته وأوائل جذبه لم يستغرق في الخلة جعل يصرح ، ويقول : «ربي» «ربي».
قال بعضهم : الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه.
وقال بعضهم : الذي خلقني لدعوة خلقه سيهديني إلى آداب خلته.
قال الأستاذ : أي : يهديني إلي فإلي محو في وجودي ، فليس لي خير عني.
وقال النهرجوري : الذي يطعمني حلاوة ذكره ، ويسقيني كأس محبته.
صفحہ 50