ومن هنا قيمة الترجمة الذاتية يكتبها المؤلف عن حياته، وهو بالطبع لن يقول كل شيء، ولكنه يرسم لنا المراحل الزمنية والبيئية التي تنتمي إليها مبادئه وأهدافه، وقد تكون القصة التي يؤلفها بخياله أصدق من ترجمته التي يذكر فيها حقائق حياته؛ ذلك لأنه يحس من حرية البوح والاعتراف في القصة الخيالية ما لا يحس في الترجمة الذاتية.
إن سيكلوجية فرويد تسمى «سيكلوجية الأعماق» لأننا نتعمق الشخصية ونحاول أن نرد ما فيها من تفوق أو تخلف، أو اتجاه سديد أو انحراف سيئ، إلى العوامل الأولى أيام الطفولة، وإلى المركبات النفسية الخاصة، وإلى محاب ومكاره قد رسخت، حتى لم يعد في المستطاع التخلص منها، ويمكن أن نتعرف أسلوب الكاتب وهدفه إذا تعمقنا نفسه وهبطنا على المشكلات القديمة التي كانت تشغله أيام صباه.
ونستطيع مثلا أن نعرف كثيرا عن المؤلف إذا نحن تأملنا الكلمات التي تتكرر في مؤلفاته؛ لأن هذا التكرار لا يأتي عبثا، ذلك أننا حين نحب شيئا نلهج به، ولهجتنا تدل على اتجاهنا.
وكذلك نستطيع أن نعرف الكثير عنه، حين نتأمل المجازات والاستعارات التي يؤثرها على غيرها؛ لأنها أحلامه التي تنبع من نفسه، وليست أحلام النوم عندنا سوى مجازات واستعارات مقلوبة، بحيث نكسب الهدف المعنوي تعبيرا ماديا كأن أطير نحو السماء عندما أعبر عن تشوقي إلى الرقي أو إحساسي به، أو أسقط من الشرفة حين أعبر عن سقوطي الاجتماعي.
فنحن هنا إزاء رموز تجري في الأحلام وتدل على مشكلاتنا الشخصية، ولكن للأديب أيضا رموزا تجري على قلمه وهي تنبع من أعماق نفسه، وتكراره لها يدل على سلوكه ونظرته للمجتمع والحياة.
ثم النزعة العامة في مؤلفاته توضح لنا موقفه من المشكلات الاجتماعية والسياسية.
ولكن هذه «الأعراض» لن تكشف لنا شخصية المؤلف، ولن تفسر لنا اتجاهاته؛ إلا إذا عرفنا حياته العائلية الأولى وموقفه الاجتماعي.
هل كان فقيرا في طفولته وقد عذبته الفاقة؟
هل شقي في معيشته العائلية، وهل كابد قسوة من أبويه؟
هل هو ينتمي إلى الأقلية أم إلى الأكثرية في الشعب؟
نامعلوم صفحہ