قال طومان: نعم، وسيباي، ودولات باي ...
قال أبرك: أما سيباي فلا، وما أظن بدر الدين بن مزهر يعنيه من أمر سيباي إلا أن يستغل عصيانه لتدبيره أمره، فإن سيباي أكرم نفسا من أن ينقاد لمشيئة مصري كبدر الدين، ولكن خاير بن ملباي قد تعهد أن يضطلع بهذا الجانب من المكيدة المبيتة، فهو على نية السفر إلى حلب عما قريب لتنفيذ ما اعتزم.
قال طومان: لعلك لم تبعد عن الحق يا أبرك، ولكني أريد أن أستجمع للأمر فأحوزه من أطرافه، وسأغيب عن عينيك يومين أو ثلاثا، فاحذر أن تتحدث إلى أحد بشيء مما تعرف!
ظهر طومان باي بعد غيبة طالت أياما، وكان عمه من الغيظ والقلق لغيبته قد ذهبت به الهواجس كل مذهب، فما كاد يراه مقبلا عليه حتى تجهم وجهه، وبادره بالقول مغضبا: وأخيرا ها أنت ذا تعود، ولكن حين لا حاجة إليك، أما حين يجد الجد وتعوزني إليك الحاجة، فليس يدري أحد أين يلقاك، حتى ولا عمك، ولا ابنة عمك، أو لعل عمك وابنة عمك هما كل من تحرص على كتمان أمرك عنهما من دون الناس جميعا، حين تستخفي عن أعين الناس!
غامت سحابة من الهم على وجه طومان وحضرته أشجانه، فلم يخف عليه ما يقصد إليه عمه من وراء ذلك التعريض. إن عمه ليظن كل غيبة يغيبها لا بد أن تكون في شأن بنت أقبردي ... وماذا عليه في ذلك لو كان صحيحا؟ أليس من حقه أن يختار لنفسه؟ ولكنه مع ذلك لم يفعل وترك زمامه في يد عمه يقوده حيث يشاء، لم يعصه، ولم يأب عليه، ولم تأب صاحبته شهددار، وإن قادهما إلى الهلاك! وإن شهددار لتعلم ماذا يدبر لها السلطان من ألوان الكيد، وإنها مع ذلك لتخلص له وتمحضه النصح؛ ولاء له، أو حبا لابن أخيه الذي يريد السلطان أن يحول بينها وبينه! فهل عرف السلطان فيم كانت غيبة طومان أياما، وقد جد الجد وأعوزت إليه الحاجة؟ وهل عرف أن غيبته هذه كانت في شأن من أخطر شئون السلطان، وأنها كذلك بسبيل من حب شهددار بنت أقبردي؟
هل علم أنه لولا ذلك الحب الذي يتأجج في صدره وفي صدر شهددار، لما بقي الغوري على عرشه، ولا سلم رأسه، ولانتهت هذه المؤامرة إلى الخاتمة الدامية التي دبر أمرها قايت، وبدر الدين بن مزهر، وخاير بن ملباي؟!
قال الغوري وقد طال حديث طومان باي إلى نفسه حتى غفل عن عمه، وعما يتوجه به إليه من الحديث: لم تحدثني يا طومان فيم كانت هذه الغيبة البعيدة، وقد أوشك أمر سيباي أن يكون خطيرا ...
قال طومان جادا: من أجل سيباي يا مولاي كانت غيبتي هذه البعيدة، وإن سيباي لأهل لأن تصطنعه بالمعروف فتكسب حليفا يعين وقت الشدة ... وإنما زين له الأعداء أن ينتقض ويعصي؛ لينفذوا من وراء ذلك إلى غاية قد أعدوا عدتها وهيئوا لها الأسباب!
قال الغوري منكرا: أصطنعه بالمعروف وهو يطمع أن يخلفني على العرش! ماذا تقول يا طومان؟! - هو ما سمعت يا مولاي، وما كان لسيباي أن يعصي لك أمرا لولا دسيسة بدر الدين بن مزهر وقايت الرجبي ...
هب الغوري مذعورا كأنما لدغته أفعى، ودنا من ابن أخيه فأسند يده على كتفه وهو يقول: قايت الرجبي كبير أمنائي!
نامعلوم صفحہ