قال: «ثم ماذا؟» قالت : «ولم نسترح إلا قليلا، ثم نهض الركب وسرنا نطوي البيداء ووجهتنا العراق، وأنا لا أدري ماذا أعمل. ولو رأت أسماء فائدة من المقاومة لفعلت، ولكنها وجدت نفسها عزلاء وحولها رجال مدججون بالحراب والسيوف والرماح. ولكني أعجبت بشجاعتها وسكينتها، وكانت طول الطريق ساكتة تتأمل كأنها تفكر في طريقة للنجاة. وأما سعيد أصل البلاء ورأس الخطيئة فلا ريب أنه أقدم على فعلته وأسماء طلبته ولكنه كان متهيبا، وربما هم بأن يكلمها بشيء في نفسه فإذا دنا من هودجها ارتج عليه فتظاهر بأمر آخر. وقضيت اليوم الثاني وأنا أحاول الدنو من أسماء لعلنا نتعاون على سبيل للنجاة فلم أستطع، لأنهم كانوا يفرقون بيننا عنوة. فبتنا ثم أصبحنا وقد مللت هذه الحال، فلاح لي أخيرا أن أتظاهر بالتعب والمرض لعلهم يسمحون لي أن أراها وأرى ما يكون، فشكوت ألما وعجزا عن الركوب فقال سيد القوم: «اتركوها في الطريق وسيروا»، فصحت: «دعوني أنظر ابنتي، دعوني أودعها!» وأخذت في البكاء فسمعتني أسماء وطلبت أن تراني فحملوني إليها، فأجلستني في هودجها وأرخت ستائره ومشى الركب بنا، فلما خلونا سألتها عما في نفسها فتنهدت وقالت: «إني لم أقع عمري في مثل ذلك، وأنا أعلم الناس بما يحدق بي من الخطر، ولكنني لا أرى الخوف يجديني نفعا، ولا أنا أستطيع دفاعا فأنا عزلاء وهم عشرة مسلحين. ويلوح لي أنهم سائرون بنا إلى معسكر أم المؤمنين، وأن هذا الشاب المغرور من رجالها، وأظنه طامع في فليطمع ما شاء، ولعلي أجد سبيلا للنجاة. ولكني أريد أن أبلغ محمدا خبرا مهما، فكيف العمل؟!» فقلت لها: «أنا أبلغه إياه فإن هؤلاء الرجال يريدون التخلص مني، فإذا أنا تظاهرت بحب التخلف عنهم خلفوني وساروا، فقولي ما تريدين»، قالت: «سأكتب ذلك في كتاب توصلينه إليه.» وسرنا هنيهة ثم وقف الركب وجاء ذلك الشاب فرفع الستر عن الهودج وقال: «انزلي من هذا الهودج إن الجمل لا يستطيع حملك»، فشكوت له التعب والمرض، فقال: «لا يعنيني»، فقالت له أسماء: «تمهل ريثما نصل إلى مكان نستريح فيه جميعا ، فإذا لم تقدر على الركوب معنا تركناها أو أوصلناها إلى قافلة تسير بها.» وكانت أسماء تتكلم والشاب ينظر إليها وقد هام بها ولم تزده أنفتها إلا حبا، وكأنها سحرته فأصابه خبل، فقال: «حسنا». فوصلنا في المساء إلى مكان فيه آبار وشجر فنزلنا جميعا ونصبوا الخيام، فطلبت أسماء الخلوة فتركوها ووقفوا خارج خلوتها لئلا يدهمها أحد فقضت هناك ساعة حتى قلقت عليها، ثم خرجت إلي وقد احمرت عيناها وتبللتا وبيدها منديل قطعته من قميصها دفعته إلي وقالت: «احتفظي بهذا الكتاب وادفعيه إلى محمد»، فتناولته وخبأته بين أثوابي وأنا أحاذر أن يراني أحد، وقالت أسماء: «أسرعي في المسير إلى محمد ما استطعت.» وكانت هناك قافلة قادمة نحونا فعلمت أن ركبنا سيرحل قبل وصولها، فتظاهرت بعجزي عن الركوب والمشي، فلما رأى أصحابنا القافلة آتية تهيئوا للرحيل وطلبوا إلي أن أركب أو أمشي، فلما اعتذرت هموا بتركي. وطلبت أن أودع أسماء فأذنوا لي في ذلك، وقد بكت حين ضممتها وقبلتها مرارا، ولكنها أسمعتني كلاما عزاني على فراقها وطمأن قلبي عليها فقالت: «لا تخافي علي يا خالتي، فإني أرجو أن يكون هذا ذريعة إلى خدمة عظيمة أقوم بها للإمام علي ومحمد، وعلى الله اتكالي»، ولم أكد أجيبها حتى أقلع جملها وسار وهي تلتفت إلي وتبتسم وأنا أبكي. فظللت وحدي أنتظر وصول القافلة، فإذا وجهتها غير ما ظننت وطريقها غير طريقي، فنهضت أسعى في أثرها فسبقتني، وما زلت أسير تارة وحدي وطورا أصطحب راعيا أو ماشيا حتى لقيت مسعودا على ما قصه عليك.» •••
وفرغت العجوز من كلامها وقد تعبت ومحمد شاخص إليها ثم قال: «أين كتاب أسماء؟» فمدت يدها إلى جيبها وأخرجته وكانت قد خاطته بباطن ثوبها، ثم دفعته إليه فإذا هو قطعة من قميص أسماء، فاستأنس به وأدنى المصباح منه ونظر فإذا فيه كتابة بمداد أحمر وأحرف لم يألفها لقربها من الشكل النبطي الذي كان يكتب به عرب الشام وتستغرق قراءته زمنا. فأومأ إلى مسعود أن يذهب بالعجوز إلى مكان تستريح فيه، وأغلق باب خيمته وجلس إلى جانب المصباح وطفق يقرأ الكتاب فإذا فيه:
أكتب إليك هذا بمداد من دمي، إذ لا سبيل على غيره وأنا في صحراء قاحلة وحولي أناس لا أدري غرضهم من أسري، على أنهم لن ينالوا مني وطرا. وقد علمت أنهم سائرون بي إلى معسكر أم المؤمنين بالبصرة، وأظنهم من رجال تلك الحملة. لا تجزع يا محمد ولا تخف على أسماء، فإنها بحول الله لا تخشى بأسا. وقد كتبت هذا إليك لأنبئك بحالي وأدعوك إلى عهد بيننا نجعله نذرا علينا، هو أن تكون أعمالنا وحواسنا وقوانا مكرسة لخدمة أمير المؤمنين ابن عم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقد اتهموه ظلما بدم عثمان وأنا وأنت أعلم الناس ببراءته، فعلينا القيام بنصرته. حتى إذا انتهينا واستقام الأمر نظرنا في أنفسنا وأجبنا داعي القلب.
هذا ما أدعوك إليه، وأرجو أن تعاهدني عليه ولا أظنك تخالفني فيه، وأنا منذ الآن ساعية في هذا السبيل وأرجو أن يكون أسري عونا على هذه الخدمة. فأنت تعمل من جهة وأنا من جهة أخرى أعمل لإقناع أم المؤمنين حين ألقاها ببراءة الإمام. آه! يا ليتها كانت معنا ليلة وجدناه يبكي عند قبر الرسول! آه من تلك الليلة! كم لقيت فيها من الأهوال! على أني سأذكر لها ذلك، وأننا سمعناه يندب الإسلام ويتخوف وقوع الفتنة، ولعلها تؤمن ببراءته. أقول هذا على أمل تذليل العقبة الوعرة التي أراها في سبيلي. فإذا مت فإني أموت شهيدة العفاف والغيرة على الإسلام والنصرة للإمام رجل هذه الأمة ... ومرة أخرى أدعوك إلى العهد على نصرة الإمام علي والتفاني في ذلك، فإذا فرغنا منه على خير فكرنا في أنفسنا. والسلام.
أسماء
ولم يفرغ محمد من تلاوة الكتاب حتى امتلأ قلبه حمية وطفح إعجابا بأسماء وعجب لتوارد الخواطر بينها وبينه فقبل كتابها وأثنى على غيرتها، ولكنه ما زال خائفا عليها من غائمة ذلك الأسر، فقضى ليلته مضطربا وقد مال إلى الذهاب في مهمته إلى العراق لعله يلقى أسماء فينقذها. •••
خرج محمد في صباح اليوم التالي قاصدا فسطاط الإمام علي لعله يسمع خبرا جديدا، فلما دخل عليه رأى في مجلسه جماعة من الصحابة يتحدثون فيما هم فيه من الأحوال ويتشاورون، والإمام مقطب الوجه يفكر فيما قام من الفتنة.
وفيما هم في ذلك دخل غلام مبغوتا فسأله علي: «ما وراءك؟»
قال: «إن في الباب ركبا قادمين من البصرة وفيهم رجل ملثم.»
نامعلوم صفحہ