عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء

محمد سعد طنطاوي d. 1450 AH
187

عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء

عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء

اصناف

استبدل بكرينج كبار مديري البرنامج وأصدر الأوامر بإيقاف نشاطه لمدة تجاوزت العام، وفي الوقت نفسه، منح صلاحيات إضافية إلى مدير المشروع الجديد، هاريس «باد» شورميير، والتزم التزاما هائلا بالاختبارات ومراقبة الجودة والاهتمام بالتفاصيل. أجريت على متن المركبة عملية إعادة تصميم كبرى، ركزت على البساطة والكفاءة. أخيرا، في يناير 1964، كان الجميع مستعدا مرة أخرى للمحاولة مجددا مع «رينجر 6».

مركبة «رينجر» الفضائية القمرية (دون ديكسون).

ساعد الصاروخ «أطلس-أجينا» الموجود على متن المركبة في إطلاقها في مسار جيد، ثم أجريت مناورة منتصف مسار جيدة وانطلقت المركبة نحو هدفها. قبل دقائق من ملامسة السطح، ازدادت حرارة الكاميرات التليفزيونية على متن المركبة، ثم جاءت الكلمات الصادمة لأحد المعلقين: «لا يوجد أي إشارة على صورة فيديو كامل.» أرسل المراقبون الأرضيون أوامر، لكن دون جدوى. تسبب تقوس كهربي كبير خلال عملية الإطلاق في إتلاف مصدر الطاقة العالي الفولتية؛ وعلى إثر ذلك، تحطمت المركبة قرب بحر السكون، وهي المرة السادسة التي تفشل فيها عملية الإطلاق ضمن محاولات كثيرة.

واجه المختبر صعوبات جمة من جراء ذلك؛ أمر روبرت سيمانز من ناسا بإجراء تحقيق عالي المستوى، انتقد مختبر الدفع النفاث و«رينجر» نقدا لاذعا. في كابيتول هيل، عقد عضو الكونجرس جوزيف كارث جلسة استماع. مرة أخرى، دفع البعض ثمن ذلك في بسادينا بخسارة وظائفهم، عندما استجاب بكرينج إلى الضغوط التي مورست عليه بتعيين نائب مدير جديد، ومنحه مسئولية الإشراف على الأنشطة الفنية والإدارية اليومية، مع منحه حرية التصرف. في نيو جيرسي، حيث كانت «آر سي إيه» تبني كاميرات تليفزيونية، وضع المديرون إجراءات مشددة للتعامل مع المشكلات، مع تخصيص عدد إضافي من الأشخاص لإتمام المهمة. كان ثمة فهم واضح بأن فشل الرحلة التالية قد يعني إلغاء البرنامج برمته، وهو ما كان ينطوي على عواقب وخيمة لمختبر الدفع النفاث.

لكن، أبلت «رينجر 7» بلاء حسنا لا تشوبه شائبة، ناقلة صورا على مدار رحلتها أثناء إجرائها هبوطا فجائيا على شكل بجعة في بحر السحب. قال المعلق: «ممتاز ... ممتاز ... إشارات حتى النهاية.» «هبوط!» مع الانتهاء المفاجئ لحالة التوتر التي كان عليها الجميع، تعالت الصيحات من جانب الصحفيين والموظفين على حد سواء، وبعضهم انخرط في البكاء. قال أحد كبار المديرين: «تملكني شعور قوي أعجزني عن الكلام، وذلك شعور لا يعتريني كثيرا. ولكن، بالنسبة إلى من عايشوا رينجر لفترة طويلة للغاية، كان للحدث بعد روحي.»

كانت هذه نقطة تحول لمختبر الدفع النفاث وبرنامج استكشاف القمر والكواكب على حد سواء. أشار المؤرخ كلايتون كوبس إلى أن «مشكلات المختبر لم تكن تكمن في التصميم بقدر ما كانت تكمن في إجراءات ضبط الدقة وضمان الجودة اللازمة للمركبة الفضائية، التي كان يجب أن تعمل على نحو مثالي تقريبا في كل مرة. كان الأساس يتعلق بالتفاصيل، والنظافة الكاملة، والاختبار الشامل، والمتابعة الصارمة لضمان تصحيح كل خطأ بدلا من قبوله والتسليم به جدلا. بعد «رينجر»، صار مختبر الدفع النفاث مؤسسة مختلفة».

2

تحقق هذا النجاح في يوليو 1964. انطلقت مركبتا «رينجر» أخريان في مستهل عام 1965، أرسلت أولاهما صورا إلى تليفزيون الشبكة مباشرة. رأى مشاهدو البلاد الصور التي أرسلتها المركبة للفوهة «ألفونسوس» في الصباح الباكر عبر التليفزيون، أعلى كلمات «مباشر من القمر». كان مختبر الدفع النفاث منهمكا بالفعل في مهمة أكثر صعوبة، وهي إجراء هبوط سلس على سطح القمر عن طريق التحكم الآلي بالكامل. كان المختبر قد تعاقد مع شركة «هيوز إيركرافت» لبناء «سرفيور»، المركبة المنوط بها تنفيذ تلك المهمة، بيد أن «هيوز» كانت قد واجهت مشكلات في عملية التطوير، التي كان المختبر على دراية كاملة بها. منح بكرينج شركته المتعاقدة كثيرا من الدعم، وأظهر أن الدروس المستفادة في مختبر الدفع النفاث يمكن نقلها إلى أعمال صناعية.

لم تستطع «سرفيور» أن تكون أول مركبة تهبط على سطح القمر بالتحكم الآلي الكامل. وصل السوفييت إلى هناك في فبراير 1966 من خلال مركبة «لونا 9»، التي أرسلت لقطات متلفزة للمناطق المحيطة بها على سطح القمر. جاءت على إثرها «سرفيور 1» في يونيو، وخلال العام ونصف العام التالي، حقق هذا البرنامج نجاحات في ست محاولات إضافية، منحت لقطاتها البانورامية للقمر رواد «أبولو» رؤية مسبقة لما يمكن أن يتوقعوا رؤيته.

بالإضافة إلى ذلك، بنى مختبر الدفع النفاث سلسلة من المركبات الفضائية باسم «مارينر»، كنماذج معدلة على غرار «رينجر»، انطلقت إلى الكواكب القريبة. لاقى كوكب عطارد، وهو هدف روسي منذ وقت مبكر يعود إلى عام 1961، اهتماما مشابها لدى بكرينج. على الرغم من عمليات الرصد الفلكي التي استمرت لقرون، لم يعرف العلماء شيئا تقريبا عن الكوكب؛ إذ كان ثمة غطاء من السحب الكثيفة التي لا تنقشع أبدا، تخفي سطحه وطبقة الجو السفلى فيه دوما. نظرا لأن هذا الكوكب يقع في مواجهة الشمس تماما، كان من المنطقي اعتباره عالما من درجات الحرارة الشديدة الارتفاع للغاية؛ لكن، حتى ذلك لم يكن مؤكدا. رأى بعض المتخصصين أن السحب الساطعة كانت تعكس كثيرا من ضوء الشمس حتى إن سطح الكوكب كان باردا في حقيقة الأمر. ذهبت توقعات أخرى إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ اقترح عالم الفلك فريد هويل أن الكوكب مغطى «بمحيطات من النفط. من المحتمل أن عطارد ينعم بما يتجاوز أحلام أثرى أثرياء أباطرة النفط في تكساس.»

نامعلوم صفحہ