فها هنا نشأة بطل عبقري مدخر للقيادة والرئاسة بميراث حسبه وطبعه، وملكات نفسه وجسده، جاءته البطولة وهو ينتظرها ولا يشك فيها، وتهيأ لها بالقدرة على الشدة والرخاء والنعمة والبأساء، ويكاد الصدق والإشاعة معا يتوافيان إلى دلالة واحدة في تربية هذا البطل المنذور للبطولة والعبقرية من قبل ميلاده، فأكلة الضب التي سبق ذكرها واحدة؛ وغيرها أكلات مسمومات يبدو لنا أنها مخترعة أو محرفة ولكن اختراعها وتحريفها يدلان لا محالة على شيء، وهو اشتهار خالد بترويض بنيته على تجرع الغصص التي يتقزز منها الناس ويخافون منها الهلاك. ففي اليواقيت للقطب الشعراني أنه حاصر قوما من الكفار في حصن لهم، فقالوا: تزعم أن دين الإسلام حق؟ فأرنا آية؛ لنسلم، فقال احملوا إلي السم القاتل، فأتوه به فأخذه وقال: بسم الله، وشربه فلم يضره. وتردد مثل ذلك في كتاب الإصابة فروي عن مصادر شتى أنه لما قدم الحيرة أتى بسم فوضعه في راحته، ثم سمى وشربه، ولم يؤثر فيه.
وقد سمعنا نيتشه - بشير السوبرمان في العصر الحديث - يقول: إن السم الذي لا يميتني يزيدني قوة ...
فهذه بنية بطل نشأته للمجد على هذا الغرار.
الفصل الرابع
إسلامه
كان إسلام خالد ضربا من التسليم ...
كان ضربا من التسليم بمعناه «العسكري» المصطلح عليه في عرف القادة ورجال الكفاح ...
لأنه أسلم أو سلم تسليم القائد البصير بحركة القتال بين المد والجزر والنصر والهزيمة، الخبير بموضع الإقدام وموضع الإحجام، المقاتل والقتال شجاعة، المسالم والسلم ضرورة لا محيص عنها.
ولم يكن تسليمه تسليم العاجز الوكل، ولا الجازع المنخذل، بل لعله بلغ من نفسه غاية الثقة بالقدرة وحمادى اليقين بالخبرة، يوم أسلم وسلم إلى معسكر الدين الجديد. كأنه آمن بالله؛ لأنه علم من ذات نفسه أنه لن يغلبه إلا الله، وكأنه كان يقول في قرارة ضميره: أيهزمني أحد وليس له مدد من النبوة؟ أيعلو سيف على سيفي وليس له سر من السماء؟
فبلغ نهاية الإيمان بنفسه يوم بلغ بداية الإيمان بالله.
نامعلوم صفحہ