{فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} ولم يقنع من أنبياءه وصلحاء خلقه بترك الكلام في المهم من أمر الدين، بل قد عاب من ترك الكلام في ذلك فقال فيما أمر به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من البشارة والنذارة: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} وقال في غير هذا: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}، وقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: "إن الله - عز وجل - لم يرض للأئمة أن تعصى في أكناف الأرض وهم ممسكون، لا يأمرون ولا ينهون، وقد أجاب الله - عز وجل - عباده عما يسألونه عنه من مبهم دينهم فقال: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} إلى آخر الآية وقال: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} وقال: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}، وكذلك سائر ما سألوا عنه مما يهمهم في أمر دينهم، فلما سألوا عما لا يهمهم وما هو فضول منهم كانت نتيجة إخلافهم وتفرقهم، أمسك عن جوابهم، فقال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم # من العلم إلا قليلا} ولما سألوا عن آبائهم قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وقال: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي} فكل ما جرى مجرى المهم الذي ينتفع به، وتدعو الحاجة إلى استعماله فحسن الكلام فيه، وكل ما خالف ذلك، وجرى غير مجراها فيما لا يعني الإنسان ولا يجدي نفعا فهو الفضول، الذي سمعت العلماء تذمه، ورأيت الحكماء تنهى عنه فقالوا: إنما يهلك الناس في فضول المال وفضول القول، وقال رجل لابنته وقد نقلها إلى زوجها، لا بنية، أمسكي عليك الفضلين: فضل القول، وفضل الشهوة، ومن ذلك يكون العطب، فكم ممن قتله كثرة فضوله، ولم ير أحد قط قتل لسكوته، ولا ضرب بالسوط على قلة كلامه، وإنما يفعل به تلك الأفاعيل ويورد تلك الموارد، بفضول قوله ولسانه، ولذلك قال الشاعر:
(وجرح اللسان كجرح اليد)
وقال الآخر:
(يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل)
وأما التام والناقص: فأما التام من الكلام ما اجتمعت فيه فضائل هذه الأقسام، فكان بليغا صحيحا، وجزلا فصيحا، وكان جدا صوابا، وحسنا حقا، ونافعا صدقا، وعند ذوي العقول مقبولا، ولم يكن تكلفا ولا فضولا، فإذا اجتمع ذلك فيه، ووضعه قائله موضعه، وأتى به في حينه، وأصاب به مقصده، فهو التام.
صفحہ 246