451

بلوغ الأرب بتقريب کتاب الشعب

بلوغ الأرب بتقريب كتاب الشعب

عن عثمان بن زفر قال: خرج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز فلما قضيا شأنهما من صيد أو غيره اطلعا على عسكره فأعجب ذلك سليمان فقال: يا أبا حفص ما ترى؟ قال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضا وأنت المسؤول عنا(1)، فسكت عنه؛ ثم انتهى إلى فسطاطه فطار غراب وفي مخالبه لقمة قد حملها من فسطاطه فنعب، قال: ما يقول يا عمر؟ قال: ما أدري، قال: ظن، قال: أراه يقول: من أين جاءت؟! وأين يذهب بها؟! قال: فقال سليمان: ما أعجبك؟! قال: أعجب مني من عرف الله فعصاه وعرف الشيطان فأطاعه؛ فسكت. (6/29) حدثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو بكر محمد بن جعفر بن يزيد العدل الآدمي ببغداد قرأت عليه من أصل كتابه أخبرنا أبو جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي نا محمد بن مصعب القرقساني(1) حدثني الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو قال: بعث إلي المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل، فلما وصلت إليه سلمت عليه بالخلافة فرد علي وأجلسني، ثم قال: ما الذي بطأ بك عنا يا أوزاعي؟! قلت : وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنك والاقتباس منك؛ قال: فانظر يا أمير المؤمنين أن لا تجهل شيئا مما أقول لك، قال: وكيف أجهله وأنا أسألك عنه وقد وجهت إليك وأقدمتك له؟! قلت: أن تسمعه ولا تعمل به، يا أمير المؤمنين، من كره الحق فقد كره [الله] إن الله هو الحق المبين؛ قال: فصاح ابن الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت:(2) يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن (عطية بن بسر)(3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة؛ يا أمير المؤمنين إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولوكم لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان بهم رؤوفا رحيما مواسيا لهم بنفسه وذات يده، وعند الناس لحقيق أن يقوم له[م] فيهم بالحق وأن يكون بالقسط له فيهم قائما ولعوراتهم ساترا، لم يغلق عليه دونهم الأبواب، ولم يقم عليه دونهم الحجاب، يبتهج بالنعمة عندهم، ويبتئس بما أصابهم من سوء؛ يا أمير المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا اتبعك منهم فئام وراء فئام ليس منهم أحد [إلا] وهو يشكو شكوى أو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه؛ يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال: كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة رطبة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبريل فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرون أمتك وملأت بها قلوبهم رعبا(1)!! فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم وغيبهم الخوف منه؟! يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدشها أعرابيا لم يتعمده فأتاه جبريل فقال: إن الله لم يبعثك جبارا ولا متكبرا فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقتص مني فقال الإعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي ما كنت لأفعل ذلك أبدا ولو أتيت على نفسي فدعا الله له بخير(2)؛ يا أمير المؤمنين روض نفسك لنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ يا أمير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن كان قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لا يبقى لغيرك؛ يا أمير المؤمنين تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك(3) (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)؟ قال: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك! فكيف ما عملته الأيدي وأحصته الألسن؟! يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخفت أن أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟! يا أمير المؤمنين تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) قال: يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلج(1) على صاحبه فأمحوك من(2) نبوتي ثم لا تكون خليفتي ولا كرامة، يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاة ترعى الإبل لعلمهم بالرعاية ورفقهم بالسياسة ليجبروا الكسير(3) ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء؛ يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه؛ يا أمير المؤمنين حدثني يزيد بن يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟! أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله؟! قال: لا، قال: وكيف ذلك؟! قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من وال يلي شيئا من أمور الناس إلا يأتي به يوم القيامة يده مغلولة إلى عنقه فيوقف على جسر من النار [ف]ينتفض ذلك الجسر انتفاضة يزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجاه إحسانه، وإن كان مسيئا انحرف به ذلك الجسر فهوى به في النار سبعين خريفا(4)؛ قال له: ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي ذر وسلمان فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا: نعم، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: واعمراه!! من يتولاها بما فيها؟! فقال أبو ذر: من أرغم الله أنفه وألصق خده بالأرض، قال: فأخذ [أبو جعفر] المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني؛ ثم قلت: يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة على مكة أو الطائف أو اليمن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عباس يا عم النبي نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها(1) نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، وإنه لا يغني عنه من الله شيئا إذ أوحي إليه (وأنذر عشيرتك الأقربين) فقال: يا عباس يا عم النبي ويا صفية عمة النبي ويا فاطمة بنت محمد إني لست أغني عنكم من الله شيئا لي عملي ولكم عملكم؛ وقد قال عمر بن الخطاب: لا يقضي بين الناس(2) إلا حصيف العقل أر[ي]ب العقدة لا يطلع منه على عورة ولا يحنق على جراءة(3) ولا يأخذه في الله لومة لائم؛ وقال علي رضي الله عنه: السلطان أربعة: فأمير قوي ظلف(4) نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل الله يد الله باسطة عليه بالرحمة؛ وأمير ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفا هلاك إلا أن يتركهم؟؟؛ وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شر الرعاة(5) الحطمة "؛ فهو الهالك وحده؛ وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا؛ وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فقال أتيتك (حين أمر الله عز وجل بمنافيخ)(6) النار فوضعت على النار تسعر إلى يوم القيامة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صف لي النار فقال: إن الله تعالى ذكره أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها ولا جمرها والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا من ثياب أهل النار ظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا، ولو أن ذنوبا(1) من شرابها صب في مياه أهل الأرض جميعا لقتل من ذاقه ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله عز وجل وضع على جبال الأرض لذابت وما اشتعلت ولو أن رجلا أدخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل لبكائه فقال: بلى يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدا شكورا، ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه؟ فقال: إني أخاف أن أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي عز وجل فأكون قد أمنت مكره فلم يزالا يبكيان حتى نودي من السماء أن يا جبريل ويا محمد إن الله عز وجل قد أمنكما أن تعصياه فيعذبكما(2)؛ وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من حال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين؛ يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله عز وجل، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، وإن من طلب العز بطاعة الله رفعه وأعزه، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه؛ فهذه نصيحتي والسلام عليك ، ثم نهضت، فقال: إلى أين؟ فقلت: إلى البلد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله؛ قال: قد أذنت لك وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بق[ب]ولها والله عز وجل الموفق للخير والمعين عليه وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل فلا تخليني من مطالعتك إياي بمثلها فإنك المقبول القول غير المتهم في نصيحته؛ قلت: أفعل إن شاء الله؛ قال محمد بن مصعب: فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله؛ وقال: أنا في غنى عنه وما كنت أبيع نصيحتي بعرض من أعراض الدنيا كلها؛ وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده. (6/30-34)

عن أبي بكر أحمد بن المنذر يذكر أن علي بن عيسى بن الجراح قال: سألت أولاد بني أمية ما سبب زوال دولتكم؟ قالوا: خصال أربع: أولها: أن وزراءنا كتموا عنا ما يجب إظهاره لنا(1)؛ والثاني: أن جباة خراجنا ظلموا الناس فارتحلوا عن أوطانهم فخربت(2) بيوت أموالنا؛ والثالثة: انقطعت الأرزاق عن الجند فتركوا طاعتنا؛ والرابعة: يئسوا من إنصافنا فاستراحوا(3) إلى غيرنا؛ فلذلك زالت دولتنا. (6/35)

عن أبي جعفر الأنباري العابد قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: لما قدم الرشيد بعث إلي فذكر الحديث في دخوله عليه وقوله "عظنا بشيء من علم"، فأقبلت عليه فقلت له: يا حسن الوجه حساب هذا الخلق كلهم عليك؛ قال: فجعل يبكي ويشهق، قال: فرددتها عليه: يا حسن الوجه حساب هذا الخلق كلهم عليك؛ قال: فأخذني الخدم فحملوني وأخرجوني من الحجر وقالوا: يا هذا اذهب بسلام. (6/35)

صفحہ 485