وقد لفتني في جميع هذه التجارب شيء واحد بصفة خاصة، وهو هذا الانتشار الواسع السريع القوي الذي تنتشره قطرة واحدة من الزيت على صفحة الماء، ولا أعلم أن أحدا اهتم بهذه المشاهدة قبل الآن. فإن قطرة الزيت إذا وضعت على مائدة من المرمر المصقول أو على مرآة في وضع أفقي تلبث في موضعها ولا تنتشر إلا قليلا.
إلا أنها إذا ألقيت في الماء لا تلبث أن تنتشر على صفحته عدة أقدام، وترق جدا حتى تنعكس عليها ألوان الطيف إلى مدى غير قصير، ثم لا تزال ترق وراء هذا المدى حتى لا تبدو للنظر، إلا ما يكون من أثرها في تهدئة الموج، وكأنما يحدث بين أجزائها تدافع مشترك في اللحظة التي تقع فيها على الماء، ويكون ذلك التدافع من القوة بحيث يعمل عملا في الأجسام العائمة على صفحة الماء من قبيل القش أو ورق الشجر أو الحتاتة، مضطرا إياها أن ترجع عن القطرة كأنها ترجع عن مركز حركة إلى مدى غير قريب، ولم أتبين بعد مقدار هذه القوة، ولا قياس المدى الذي يمتد إليه أثرها، ولكني أحسبها مسألة من مسائل البحث وأود أن أستطلع سرها.
وقد سافرت إلى الشمال تلك السفرة التي سعدت فيها بلقائك في أورماثويت
Ormathwaite
فزرنا النابه الشهير مستر سميتون على مقربة من ليدز، وهممت أن أريه التجربة على بركة صغيرة بجوار بيته فقال لنا تلميذ ذكي من تلاميذه - وهو مستر جيسوب - أنه شهد هنالك ظاهرة غريبة منذ وقت قريب، وكان يهم بأن يغسل في الماء قدحا من أقداح الشاي يضع فيه الزيت، فألقى منه على الماء بضع ذبابات غرقت في الزيت، فما كادت تصل إلى الماء حتى أخذت تتحرك وتدور دورة سريعة كأنها حية ناشطة، وإن كان قد لمسها فعلم أنها ليست كذلك، فاستخلصت من ذلك على الأثر أن الحركة آتية من التدافع الذي أشرت إليه، وأن الزيت الذي يرسله جسم الذبابة الإسفنجي تدريجا يدفع تلك الحركة إلى الاستمرار، وعاد التلميذ فوجد في الزيت بعض الذبابات الغرقى، كررنا التجربة عليها وأردت أن أستوثق من أن الحركة لم تحدث من رجعة الذباب إلى الحياة، فأجريت التجربة على الفتات وقطع الورق مقصوصة على شكل الواو في حجم الذبابة المألوف، فوجدنا التيار يدفعها ويدير الواو إلى الجهة المضادة. وليست هذه تجربة بيتية بين جدران حجرة؛ لأنها لا يمكن أن تعاد في ماء جردل أو إناء على المائدة، ولا بد من صفحة كبيرة على وجه الماء تتسع لامتداد قطرات الزيت القليل. أما الطبق أو الإناء فإن قطرة الزيت الصغيرة فيه إذا ألقيت في الوسط شاعت على وجه الماء كله طبقة وضرة صادرة من القطرة وتوقف صدورها لمجرد وصول الطبقة إلى جوانب الإناء، ومنعتها تلك الجوانب أن تتخذ شكلا غير شكل الزيت بمنع الامتداد من مصدرها.
وقد ذهب صديقنا سير جون برنجل بعد ذلك إلى سكوتلاند، فعلم أن الصيادين الذين يعملون في صيد سمك الرنجة يستطيعون رؤيتها على بعد، وأنهم ربما ساعدهم على الرؤية مادة زيتية تنبعث من أجسامها.
وأخبرني سيد من جزيرة رود أنهم لاحظوا هناك في ميناء نيوبورت أن الماء يظل ساكنا ما بقيت فيه سفينة من السفن التي تستخدم في صيد الحيتان، وربما كان ذلك لأن الآنية التي يودعونها دهن الحوت يرشح منها الدهن إلى الماء الذي يفرغونه من سفنهم وينتشر على صفحة الماء في الميناء، فيحول دون إثارة الأمواج عليه.
وسأحاول تفسير ذلك المانع؛ فالظاهر أنه لا توجد بين الماء والهواء طبيعة التدافع التي تمنع اتصال أحدهما بالآخر. ومن ثم نجد في الماء بعض الهواء ويعود الهواء بمثل ذلك المقدار إلى الماء إذا استخرجناه بالمضخات، وعلى هذا يمكن أن يمر الهواء على صفحة الماء الساكنة ويحدث فيها الثنايا التي تتكون منها الأمواج، ومتى برزت موجة - بالغة ما بلغت من الصغر - على وجه الماء لم تهبط على الأثر فتترك الماء إلى جانبها على سكونه، بل يكون هبوطها سببا لبروز موجة أخرى بغير اختلاف في احتكاك الأجزاء، وإذا ألقي في الماء حجر نشأت منه موجة واحدة حوله في أول الأمر ويتركها فيرسب في القاع، ولكن هذه الموجة تهبط فتبرز إلى جانبها موجة أخرى فموجة غيرها إلى أمد بعيد.
والقوة الصغيرة إذا تكررت كان لها أثر كبير. فالإصبع إذا لمست جرسا كبيرا لمسة واحدة لم تحركه إلى حركة يسيرة، ولكنها إذا لمسته مرة بعد مرة بالقوة نفسها زادت الحركة حتى يصل الجرس إلى أعلى ذروته بقوة لا تستطيع الذراع كلها أن تقاومها، وكذلك الموجة الصغيرة الأولى التي تظل الريح مؤثرة فيها تزداد في الامتداد، وإن كانت الريح لا تزداد في القوة، وترتفع ثم ترتفع فتمتد قواعدها حتى تشمل مقدارا كبيرا من الماء في كل موجة، وتندفع في حركتها بقوة شديدة.
أما إذا وجد التدافع المتبادل بين أجزاء الزيت، ولم يوجد التجاذب بين الزيت والماء، فالزيت الذي يراق في الماء لا يتماسك في الموضع الذي ألقي فيه ولا يمتصه الماء، وينطلق ممتدا بغير عائق فينبسط على صفحة واسعة تحول - فضلا عن ملاستها - دون احتكاك الهواء مباشرة بالماء، ويستمر هذا المانع مع امتداد الزيت حتى يبلغ من الامتداد غايته القصوى فيضعف أثره ويزول.
نامعلوم صفحہ