لقد أصبح التطور دينا، بل هو الآن دين القرن العشرين الذي نشأ من رماد الأديان والمذاهب الماضية، ولكنه لن يصير دين السواد من الأمة حتى تؤلف له أساطيره ومعجزاته وأمثولاته، ولا أعني بقولي «دين سواد» أن يفهمه سكان القرى فقط، بل أعني أن يفهمه الوزراء أيضا، وليس من العقل أن ننتظر النور والإرشاد من الذين يعدون الآن من محترفي السياسة ورجال الحكومات ؛ لأنهم ليسوا فلاسفة ولا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك لكان همهم أن يفلسفوا ويتنبأوا بدلا من أن يضيعوا وقتهم في ممارسة الحكم.
لما رأى الكاتب العظيم أميل زولا مبلغ العقم الذي أصاب التناسل في بلاده، وأزعجه ذلك، عمد إلى قلمه فألف كتابا فصيح العبارة قوي الحجة في الدفاع عن مقام الأبوة والأمومة باسم «الخصوبة»، ولكن كتابه هذا اعتبر في إنجلترا غير لائق للترجمة وأن كل محاولة يراد منها شرح العلاقات بين الجنسين إلا من الناحية الغرامية الشهوانية يجب أن تقاوم.
هذا الحياء الذي تبديه الصحف لا يختلف من الحياء الذي يبدو من السامرين حول مائدة العشاء، وهو في حقيقته ليس شيئا سوى نقص في التربية وصعوبة في التعبير، فنحن لا ننشأ على أن نفكر تفكيرا نظيفا طاهرا عن هذه الموضوعات، وينتج من ذلك أننا نستعمل لغة فاسدة في التعبير عنها، ثم ننتهي إلى أن نصرح بأنه لا يجوز لنا أن نناقش هذه الموضوعات مناقشة علنية؛ وذلك لأن الألفاظ التي نستعملها في المناقشة لا تليق للاستعمال، على أن الأطباء الذين يستعملون الألفاظ الخاصة بحدود العلم لا يجدون هذه الصعوبة، وكذلك الحال في أساتذة اللغة الذين يحسنون التفكير، مثل أميل زولا في قصة «الخصوبة» أو تولستوي في قصة «البعث»، فإنهم يمكنهم أن يكتبوا دون أن يسيئوا أقل إساءة إلى القراء الذين يفكرون مثلهم تفكيرا نظيفا طاهرا.
هذا المخلوق الذي يسمى إنسانا والذي يعد في صميم عظامه جبانا، عندما يعالج مصالحه الشخصية، يستحيل إلى بطل عندما يجد فكرة ... وإذا أنت أوضحت له أنه سيؤدي عملا يزعم أنه قد كلفه الله إياه، وأنه سيكون لهذا العمل أسماء جديدة عديدة، فإنه عندئذ يخاطر بكل ما يملك ولا يبالي ما سوف تكون النتائج في شخصه.
تخلصت من رشوة السماء.
إني أمقت مذهب الفداء إيمانا بأن كرام الناس من الرجال والنساء يأبون أن يكفر أحد عن خطاياهم بأن يعاني هو موتا قاسيا.
بأي حق تجيز الأم لنفسها أن تدخن وهي تعنى بتربية طفلها، مع أنها تمنع من التدخين حين تبيع التفاح أو المناديل، أو حين تجمع أثمان التذاكر في الأتوبوس؟ أليس من حقنا أن نترك عربة التدخين في القطار ونحن مشمئزين دون أن نذكر أمهاتنا؟
إني أجد حضارتنا سائرة إلى الدمار لإسرافها في حرية الفرد الذي نجيز له أن يكون كسولا أو متلافا، أو أن يجمع الثروة الضخمة بالاستغلال المهين للعمال، أو بتجويعهم، أو بحملهم على أن يبيعوا أعراضهم، أو على أن يرتكبوا الجرائم أو يفشوا الأمراض بين مواطنيهم، أو أن يكون أحدهم لصا يغش الأرامل واليتامى أو غيرهم من الآمنين بأن يحصل على مدخرهم فيبذره ... إلخ.
العبقري ليس هو الرجل الذي يعرف أكثر من غيره أو يعمل أكثر من سائر الناس، ولم يحدث قط أن عاش عبقري ولم يتفوق عليه في هذين الشأنين عدد كبير من المغفلين الذين لا يرجى منهم خير، إنما العبقري هو ذلك الذي يرى أهمية الأشياء ويميز بينها، ولولا ذلك لكان أي معلم خيرا من المسيح نفسه.
لو أن مؤلف هذا الكتاب (أحد كتب شو نفسه) كان يشرب الخمر أو أي مخدر آخر لكان في الأغلب أروح لك، ولكنه كان يكون عندئذ أقل كثيرا في قيمته الذهنية ومحاسبته الوجدانية؛ ولذلك كان يكون أكبر خطرا على ذهنك.
نامعلوم صفحہ