واغفر ما أنت به أعلم
أعرابي جاء إلى الهادي
معه ضب لا يتكلم
يوقع هذا الغناء على نغم مرقص، وكان الفتى لا يسمعه إلا أغرق في ضحك متصل، وكان ربما تمنى عليه بين حين وحين أن يغني له أعرابي، ينطقها كما ينطق بها الفتيات الفرنسيات. ولكنه في ذلك القطار لم ينشط حتى لهذا الغناء، واستيأس منه صديقه الدرعمي، فخلى بينه وبين ما أحب من السكون والصمت. وأعرض عنه كما كان يعرض عن متاعه، يرمقه بين حين وحين ليأمن عليه من السرقة والضياع، ولكنه لا يتحدث إليه ولا يعرض عليه شيئا، حتى إذا بلغ القطار باريس في أول الضحى أقبل على الفتى متضاحكا وهو يقول: سننقل المتاع الصامت الهامد أولا، ثم ننقل المتاع الحي الناطق بعد ذلك!
وأسلم الأمتعة إلى الحمالين ثم أقبل على الفتى كأنه يريد أن يحمله، ولكن الفتى نهض ومضى معه كأنه لم يسكن ثلاثين ساعة كاملة.
وبعد قليل كان الفتى في غرفة جميلة رائعة بفندق من فنادق الحي اللاتيني، ولم يكد يستقر في غرفته حتى أصلح من شأنه، وتهيأ لاستقبال شخص طالما نازعته نفسه إلى لقائه منذ شهور، وطالما أشفق من ألا يلقاه أبدا.
ويطرق الباب طرقا رفيقا في آخر الضحى، فإذا أذن بالدخول دخل عليه شخصان لم يكد يسمع صوت أحدهما حتى انجلى عنه حزنه، وانجاب عنه يأسه، وانصرف عنه الهم، كأنه يستأنف حياة جديدة لم يحيها من قبل، ولم لا؟ لقد بدأ منذ ذلك اليوم حياة ليس بينها وبين حياته الأولى سبب أو صلة.
الفصل الرابع عشر
قصة حب
كانت حياة الفتى في باريس حلوة مرة ويسيرة عسيرة، لم يعرف فيها سعة ولا دعة، ولكنه ذاق فيها من نعمة النفس وراحة القلب ورضا الضمير ما لم يعرفه من قبل وما لم ينسه قط. كانت حياته المادية شاقة، ولكنه احتمل مشقتها في شجاعة ورضا وسماح. لم يكن مرتبه يتجاوز ثلاثمائة من الفرنكات، كان يدفع ثلثيه في اليوم الأول أو الثاني من كل شهر؛ ثمنا لمسكنه وطعامه وشرابه. وكان يدفع نصف الثلث الذي كان يبقى له أجرا لسيدة كانت تصحبه إلى السوربون مصبحا وممسيا؛ ليسمع فيها دروس التاريخ على اختلافها، وتقرأ له بين ذلك ما شاء الله من الكتب حين لا يخلو له ذلك الصوت العذب الذي كان قد رتب له ساعات بعينها في النهار؛ ليقرأ له فيها روائع الأدب الفرنسي. وكان يستبقي فضل مرتبه بعد ذلك؛ لينفق منه على ما يعرض من حاجاته اليومية. فأما أمر كسوته فقد تركه إلى الله لأن مرتبه لم يكن يتسع له.
نامعلوم صفحہ