فتخلص منها برفق وهو يقول: قلت لك منذ اللحظة الأولى إن أيام الراحة ولت، وجميعنا يعلم بأننا سنواجه الشر عاجلا أو آجلا، فلا تجزعي هكذا، وابقي بخير حتى أرجع.
78
عاد البواب من داخل بيت الناظر وقال لقاسم في فتور وجفاء: ادخل.
ومضى أمامه فتبعه قاسم باذلا جهده للسيطرة على مشاعره ، وسطعته رائحة الحديقة الزكية دون أن يلتفت إليها، حتى وجد نفسه أمام مدخل البهو. وتنحى البواب عن طريقه فدخل ثابت الجنان بدرجة لم يكتشفها في نفسه من قبل. ونظر أمامه فرأى في أقصى البهو الناظر جالسا على ديوان، وكان هناك شخصان، يجلس أحدهما على مقعد إلى يمين الناظر والآخر إلى يساره، لكنه لم يتبينهما أو يعن بالالتفات إلى أحدهما، واقترب من مجلس الناظر حتى وقف على بعد أذرع منه، فرفع يده بالتحية وقال بأدب: مساء الخير يا حضرة الناظر.
ولمح دون قصد الجالس إلى يمينه فإذا به لهيطة، ولحظ الآخر لكن عينيه حملقتا فيه بلا وعي منه، وتلقى صدمة كادت أن تهيضه. لم يكن الرجل إلا الشيخ الشنافيري المحامي الشرعي! أدرك خطورة الموقف، إن سره انكشف، إن المحامي النذل خان الأمانة، وإنه وقع. التحم في قلبه اليأس بالغيظ والغضب. وعرف أنه لن ينجيه المكر أو الدهاء فصمم على الصمود والتحدي. ولم يكن في الوسع أن يتراجع خطوة، فكان عليه أن يتقدم أو يثبت على الأقل. وقد ذكر موقفه هذا فيما تبع من أيام، وكان يؤرخ به مولد شخص جديد في ذاته لم يكن يتصور وجوده. وانتزعه من دوامته صوت الناظر الجاف وهو يتساءل: أنت قاسم؟
فأجاب بصوت طبيعي: نعم يا سيدي.
فسأله دون أن يأذن له بالجلوس: هل أدهشك وجود الأستاذ؟
فأجاب بنفس النبرة: كلا يا سيدي.
فتساءل بازدراء: أأنت راعي الغنم؟ - انقطعت عن رعي الغنم منذ أكثر من عامين. - وماذا تعمل الآن؟ - وكيلا لزوجتي في أملاكها.
فندت عن الناظر هزة رأس ساخرة، ثم أشار إلى المحامي آذنا له بالكلام فقال الشيخ مخاطبا قاسم: لعلك تعجب من موقفي باعتباري محاميك، ولكن لحضرة الناظر مكانة تعلو على هذه الاعتبارات جميعا. وسيفسح تصرفي لك مجالا للتوبة وهو خير من التورط في عداوة كانت ستؤدي بك إلى الهلاك. وقد أذن لي حضرة الناظر في أن أخبرك بأنني تشفعت لك عنده بالعفو إذا أعلنت التوبة، فأرجو أن تقدر حسن نيتي، وهاك مقدم الأتعاب أرده إليك.
نامعلوم صفحہ